الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٠٣ - وتنقيح المقام يقتضي بسطاً في الكلام
وقوله ٧: «فارجه حتّى تلقى إمامك». في القاموس: «الإرجاء: التأخير» [١].
فإن كان الغرض إثبات الفعل للفاعل مطلقاً من غير اعتبار تعلّقه بمن وقع عليه، نزّل التأخير المتعدّي منزلةَ اللازم، ولم يقدّر له مفعول، كما قيل في قوله تعالى: «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ»؛ [٢] فإنّ المعنى: لايستوي من وجد له حقيقة العلم ومن لا يوجد، فالهاء في «ارجه» للسكت، والمعنى: فعليك بالتوقّف والحال هذه، إلى زمان لقاء إمامك. ويحتمل أن يكون الهاء ضميراً راجعاً إلى فصل الأمر المدلول عليه بسياق الكلام.
وكيف كان، فالعمل في مدّة الإرجاء ينبغي أن يكون بالاحتياط.
ولا يجري في الواقعة المفروضة في هذا الحديث العملُ بأيّما أخذت من باب التسليم وسعك؛ لأنّ العادة لم تجر بانفصال نزاع المتخاصمين بذلك.
نعم، يمكن للمدّعي أن يصبر على الضرر، ويترك النزاع للاحتياط، ولأجل هذا لم يذكر في هذا الحديث التخلّص بالعمل بأيّما شاء على وجه التسليم مع كمال البسط والتفصيل، ولكون هذا النوع من التخلّص غير داخل في وجوه الترجيح، بل هو ترك الترجيح، لم أتعرّض له حين ذكر الوجوه العشرة.
وينبغي أن لا يغفل أنّ ذلك فيما يجري ذلك إنّما هو بعد ثبوت المتعارضين عن المعصوم ٧ ثبوتاً شرعيّاً، فهو وسائر أصناف التخلّص- التي تحصل بإعمال الوجوه المأثورة للترجيح- متساويان في كونهما على وجه الإطاعة لهم :، وغرضهم نهج مناهجَ تخرج شيعتهم عن بيداء الحيرة، ويسلكونها في زمان الفترة، فالرجوع إلى وجوه الترجيح التي قرّروها لنا وعدم القناعة بعدم الترجيح أيضاً من باب التسليم لهم والائتمام بهم، لا لتحصيل الظنّ بإصابة الواقع.
وبالجملة: المدار في هذه الأعصار- التي لم تصل أيدينا إلى صاحبنا (صلوات اللَّه عليه وعلى آبائه الطاهرين)- العملُ بالأحكام الواصليّة، ولا ضرورة لنا- معاشرَ
[١]. القاموس المحيط، ج ٤، ص ٣٣٣ (رجأ).
[٢]. الزمر (٣٩): ١٠.