الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤١٠ - شرح الخطبة من كتاب بحار الأنوار
مكان وغيره في مكان آخر، بل إنّما هي بأن فارق أينيّتهم، فليس له أين ومكان، وهم محبوسون في مطمورة [١] المكان. أو المعنى: أنّ مباينته لمخلوقِيهِ في الصفات صار سبباً لأن ليس له مكان.
قوله ٧: «وأدوه إيّاهم» أي جعلهم ذوي أداة يحتاجون إليها في الأعمال من الأعضاء والجوارح وسائر الآلات دليل على أنّه ليس فيه شيء منها؛ لشهادة الأدوات فيما نشاهده في المادّين بفاقتهم واحتياجهم إليها، وهو منزّه عن الاحتياج. أو المعنى أنّ الأدوات- التي هي أجزاء للمادّين- تشهد بفاقتهم إلى موجد؛ لكون كلّ ذي جزء محتاجاً ممكناً، فكيف يكون فيه تعالى؟!
قوله ٧: «فأسماؤه تعبير» أي ليست في ذاته وصفاته، بل هي معبّرات عنها، وأفعاله تفهيم ليعرفوه، ويستدلّوا بها على وجوده وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته.
قوله ٧: «وذاته حقيقة» أي مكنونة عالية لا تصل إليها عقول الخلق؛ بأن يكون التنوين للتعظيم والتبهيم، أو خليقة بأن يتّصف بالكمالات دون غيرها، أو ثابتة واجبة لا يعتريها التغيّر والزوال؛ فإنّ الحقيقة ترد بتلك المعاني كلّها. وفي بعض نسخ التوحيد: «حقاقة» أي مثبتة موجدة لسائر الحقائق.
قوله ٧: «وكنهه تفريق بينه وبين خلقه» لعلّ الغرض بيان أنّه لا يشترك في ذاتيٍّ مع الممكنات بأبلغ وجه، أي كنهه يفرَّق بينه وبينهم؛ لعدم اشتراكه معهم في شيء. ويُحتمل أن يكون المعنى أنّ غاية توحيد الموحّدين ومعرفتهم نفي صفات الممكنات عنه.
والحاصل عدم إمكان معرفة كنهه، بل إنّما يعرف بالوجوه التي ترجع إلى نفي النقائص عنه كما مرّ تحقيقه.
ويؤيّد الأوّل قوله ٧: «وغيوره تحديد لما سواه» فالغيور إمّا مصدر، أو جمع غير، أي كونه [مغائراً له تحديدٌ لما سواه، فكلّ ما سواه] مغايراً له في الكنه. ويُحتمل أن يكون المراد بقوله: «ما سواه» ما لم يكن من توابعه أصلًا، لا جزءاً له ولا صفةً، أي كلّ ما هو غير ذاته فهو سواه، فليس له جزءاً ولا صفةً زائدة.
قوله ٧: «من استوصفه» أي من طلب وصف كنهه، وسأل عن الأوصاف والكيفيّات
[١]. المطمورة: حفرة، أو مكان تحت الأرض قد هيّئ خفيا، يطمر فيه طعام أو مال. العين، ج ٧، ص ٤٢٤ (طمر).