الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٨٦ - فصل في «وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ»
حارساً للإنسان، له عين بأنياب ومخاليبُ ونياح هائل ليذعر منه السارق، ويتجنّب المواضع التي يحميها ويخفرها». [١]
قال ٧: «تأمّل مشفر الفيل وما فيه من لطيف التدبير، فإنّه يقوم مقام اليد في تناول العلف والماء وازدرادهما إلى جوفه، ولولا ذلك ما استطاع أن يتناول شيئاً من الأرض؛ لأنّه ليست له رقبة يمدّها كسائر الأنعام، فلمّا اعدم العنقَ اعين مكانَ ذلك بالخرطوم الطويل ليسدله، فيتناول به حاجته، فمن ذا الذي عوّضه مكان العضو الذي عدمه ما يقوم مقامه إلّاالرؤوف بخلقه؟ وكيف يكون هذا بالإهمال كما قال الظلمة؟
انظر الآنَ كيف حياء الانثى من الفيلة في أسفل بطنها، فإذا هاجت للضراب ارتفع وبرز حتّى يتمكّن الفحل من ضرابها، فاعتبر كيف جعل حياء الانثى من الفيلة على خلاف ما عليه في غيرها من الأنعام؟ ثمّ جعلت فيه هذه الخلّة لتتهيّأ للأمر الذي فيه قوام النسل ودوامه». [٢]
«تأمّل خلق القِرَد وشبهه بالإنسان في كثير من أعضائه، أعني الرأس والوجه والمنكبين والصدر، وكذلك أحشاؤه أيضاً شبيهةٌ بأحشاء الإنسان، وخُصّ مع ذلك بالذهن والفطانة التي بها يفهم عن سائسه ما يؤمئ إليه، ويحكي كثيراً ممّا يرى الإنسان يفعله حتّى أنّه يقرب من خلق الإنسان وشمائله في التدبير في خلقته على ما هي عليه أن يكون عبرةً للإنسان في نفسه، فيعلم أنّه من طينة البهائم وسنخها؛ إذ كان يقرب من خلقها هذا القربَ، وأنّه لولا فضيلة فضّله بها في الذهن والعقل والنطق كان كبعض البهائم، على أنّ في جسم القرد فضولًا اخرى يفرق بينه وبين الإنسان، كالخَطْم [٣] والذنب المسدل والشعر المجلّل للجسم كلّه، وهذا لم يكن مانعاً للقرد أن يلحق بالإنسان لو اعطي مثلَ ذهن الإنسان وعقله ونطقه، والفصل الفاصل بينه وبين الإنسان بالصحّة هو النقص في العقل والذهن والنطق.
[١]. توحيد المفضّل، ص ٩٤- ١٠١؛ بحار الأنوار، ج ٣، ص ٩٠- ٩٦.
[٢]. توحيد المفضّل، ص ١٠٣- ١٠٤؛ بحار الأنوار، ج ٣، ص ٩٥- ٩٧.
[٣]. الخَطْم من كلّ دابّة: مُقَدَّمُ أنفها وفمها. لسان العرب، ج ١٢، ص ١٨٦ (خطم).