الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤١٨ - شرح الخطبة من كتاب بحار الأنوار
الآلة تحكم بقربها من الحال وعدم أزليّتها.
وأمّا «لولا» فلأنّ قولك إلى المحسّنة منها والمتوقّد من الأذهان: ما أحسنها لولا أنّ فيها كذا، فيدلّ على نقص فيها، فجنّبها عن الكمال المطلق.
ويروى أيضاً برفع القدمة والأزليّة والتكملة على الفاعليّة، فتكون الضمائر المتّصلة مفعولاتٍ اولَ، و «قد» و «منذ» و «لولا» مفعولاتٍ ثانيةً، ويكون المعنى أنّ قدم الباري سبحانه وأزليّته وكماله المطلق منعت الآلات والأدوات عن إطلاق لفظ «قد» و «منذ» و «لولا» عليه سبحانه؛ لأنّه تعالى قديم كامل، و «قد» و «منذ» لا يطلقان إلّاعلى محدَث، و «لولا» لا يطلق إلّاعلى ناقص.
أقول: ويُحتمل أن يكون المراد القدمةَ التقديريّةَ، أي لو كانت قديمةً لمنعت عن إطلاق «منذ» عليها، وكذا في نظيريها.
وقوله ٧: «بها تجلّى» أي بمشاعرنا وخلقه إيّاها وتصويره لها تجلّى لعقولنا بالوجود والعلم والقدرة.
وقوله ٧: «وبها امتنع» أي بمشاعرنا استنبطنا استحالةَ كونه تعالى مرئيّاً بالعيون؛ لأنّا بالمشاعر والحواسّ كملت عقولنا، وبعقولنا استخرجنا الدلالةَ على أنّه لا يصحّ رؤيته. أو بإيجاده المشاعر مدركةً بحاسّة البصر ظهر امتناعه عن نظر العيون؛ لأنّ المشاعر إنّما تدرك بالبصر؛ لأنّها ذاتُ وضعٍ ولون وغيره من شرائط الرؤية، فبها علمنا أنّه يمتنع أن يكون محلّاً لنظر العيون. أو لمّا رأينا المشاعر إنّما تدرك ما كان ذا وضع بالنسبة إليها علمنا أنّه لا يدرك بها؛ لاستحالة الوضع فيه.
ثمّ اعلم أنّه على ما في تلك النسخ الفقرتان الاوليان مشتركتا، وأمّا الثالثة فالمعنى أنّه لولا أنّ الكلمة- أي اللغات والأصوات والآراء والعزائم والمخلوقات فإنّها كلم الربّ؛ لدلالتها على وجوده وسائر كمالاته- افترقت واختلفت، فدلّت على مفرّق فرّقها، وتباينت فأعربت وأظهرت عن مباينها- أي من جعلها متباينةً- أو عن صانع هو مباين لها في الصفات، لما تجلّى فظهر صانعها للعقول، كما قال تعالى: «وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ» [١].
[١]. الروم (٣٠): ٢٢.