الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١١٤ - تتميم
وكانوا ممنوعين عن ذلك [١] من جهتهم :، ومن جهة صاحب الشرع بالآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، وكان المنع من ذلك كلّه معروفاً من مذهبهم، مشهوراً بينهم [٢] حتّى بين مخالفيهم، كما صرّح به طائفة من الفريقين.
ثمّ لمّا انقضت مدّة ظهور الأئمّة المعصومين- (صلوات اللَّه عليهم أجمعين)- وانقطعت السفراء بينهم وبين شيعتهم، وطالت الغيبة، واشتدّت الفرقة، وامتدّت دولة الباطل، وخالطت الشيعة بمخالفيهم، وألفت في صِغَر سنّهم بكتبهم؛ إذ كانت هي المتعارفَ تعليمها في المدارس والمساجد وغيرها؛ لأنّ الملوك وأرباب الدول كانوا معهم، والناس إنّما يكونوا مع الملوك وأرباب الدول، فعاشرتْ معهم في مدارسة العلوم الدينيّة، وطالعوا كتبهم التي صنّفوها في اصول الفقه التي دوّنوها لتسهيل اجتهاداتهم التي عليها مدار أحكامهم، فاستحسنوا بعضاً، واستهجنوا بعضاً. أدّاهم ذلك إلى أن صنّفوا في ذلك العلم كتباً إبراماً ونقضاً، وتكلّموا فيما تكلّم العامّة فيه من الأشياء التي لم يأت بها الرسول ٦، ولا الأئمّة المعصومون (صلوات اللَّه عليهم أجمعين)، وكثّروا بها المسائل، ولبّسوا على الناس طرق الدلائل.
وكانت العامّة قد أحدثوا في القضايا [٣] أشياءَ كثيرةً بآرائهم وعقولهم في جنب اللَّه، واشتبهت أحكامهم بأحكام اللَّه، ولم يقنعوا بإبهامِ ما أبهم اللَّه، والسكوت عمّا سكت اللَّه، بل جعلوا للَّهشركاء، وحكموا كحكمه، فتشابه الحكم عليهم، بل للَّهالحكم جميعاً وإليه يرجعون [٤]، وسيجزيهم اللَّه بما كانوا يعملون. [٥]
ثمّ لمّا كثرت تصانيف أصحابنا في ذلك، وتكلّموا في اصول الفقه وفروعه باصطلاحات العامّة، اشتبهت اصول الطائفتين واصطلاحاتهم بعضاً ببعض، وانجرّ ذلك إلى أن التبس الأمر على طائفة منهم حتّى زعموا جواز الاجتهاد والحكم بالرأي، ووضع الضوابط والقواعد لذلك، وتأويل المتشابهات بالتظنّي والترائي، والأخذ باتّفاق الآراء، وتأيّد
[١]. في المصدر:+/ «كلّه».
[٢]. في المصدر: «منهم».
[٣]. في المصدر:+/ «والأحكام».
[٤]. اقتباس من الآيتين ٧٠ و ٨٨ من سورة القصص (٢٨): «... لَهُ الْحُكْمُ وَالَيْهِ تُرْجَعُونَ».
[٥]. اقتباس من بعض الآيات، منها الآية ١٨٠ من سورة الأعراف (٧): «... سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».