الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١١٥ - تتميم
ذلك عندهم بامور:
أحدها: ما رأوه من الاختلاف في ظاهر [١] الآيات والأخبار التي لا تتطابق إلّابتأويل بعضها بما يرجع إلى بعض، وذلك نوع من الاجتهاد المحتاج فيه إلى وضع الاصول والضوابط.
والثاني: ما رأوه من كثرة الوقائع التي لا نصّ فيها على الخصوص مع مسيس الحاجة إلى [٢] أحكامها.
والثالث: ما رأوه من اشتباه بعض الأحكام وما فيه من الإبهام، الذي لا ينكشف ولا يتعيّن إلّابتحصيل الظنّ فيه بالترجيح، وهو عين الاجتهاد.
فأوّلوا الآيات والأخبار الواردة في المنع من الاجتهاد والعمل بالرأي بتخصيصها بالقياس والاستحسان ونحوهما من الاصول التي تختصّ بها العامّة، والواردةِ في النهي عن تأويل المتشابهات ومتابعة الظنّ بتخصيصها [باصول الدين، والواردةِ في ذمّ الأخذ بإتّفاق الآراء بتخصيصها] بالآراء الخالية عن قول المعصوم؛ لما ثبت عندهم أنّ الزمان لا يخلو من إمامٍ معصوم.
فصار ذلك كلّه سبباً لكثرة الاختلاف بينهم في المسائل، وتزايدِه ليلًا ونهاراً، وتوسّعِ دائرته مُدَداً وأعصاراً، حتّى انتهى إلى أن تراهم مختلفين في المسألة الواحدة على عشرين قولًا، أو ثلاثين، أو أزيد؛ بل لو شئت أقول: لم يبق مسألة فرعيّة لم يختلفوا فيها، أو في بعض متعلّقاتها؛ وذلك لأنّ الآراء لا تكاد تتوافق، والظنون قلّما تتطابق، والأوهام [٣] تتشاكس [٤]، ووجوه الاجتهاد تتعاكس، والاجتهاد يقبل التشكيك، ويتطرّق إليه الركيك، فيتشبّه بالقوم من ليس منهم، ويُدخل نفسه في جملتهم وهو [٥] بمعزل عنهم، فظلّت المقلّدة في غمار آرائهم يعمهون، وأصبحوا في لجج أقاويلهم يغرقون.
ليت شعري، كيف [ذهب عنهم] ما ينحلّ به عقد هذه المشكلات عن ضمائرهم؟! أم كيف خفي عنهم ما ينقلع به اصول هذه الشبهات عن سرائرهم؟! ألم يسمعوا حديث
[١]. في المصدر: «ظواهر».
[٢]. في المصدر:+/ «معرفة».
[٣]. في المصدر: «والأفهام».
[٤]. أي تتخالف. لسان العرب، ج ٦، ص ١١٢ (شكس).
[٥]. في المصدر: «من هو» بدل «وهو».