الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٨٨ - وتنقيح المقام يقتضي بسطاً في الكلام
حديث عن الرضا ٧، قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين، فلم نعلم أيّهما الحقّ؟ قال: «إذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت». [١]
علّق التوسيع بالعمل بأيّهما شاء على عدم العلم بالحكم الواقعي فحسب، ولم يعتبر تأخّر هذا الوجه عن استعمال المرجّحات المأثورات إن تيسّرت مع ورود الأمر به. فيعلم من ذلك أنّ الترجيح واستعمال المرجّحات هو الأصل، والتوسيع بالعمل بأيّهما شاء على وجه التسليم من باب الرخصة ورفع الضيق عنّا شفقة علينا في دار الهدنة، مثل أداء الظهر عند زوال الشمس والرخصة في تأخيرها إذا عرض لهم شغل كيلا يكونوا مضيّقاً عليهم، وكثيراً ما يقول الصدوق عند تعارض الخبرين: «هذا الخبر أصل، وذاك رخصة». [٢]
وسيجيء في باب التفويض إلى رسول اللَّه: «وعاف رسول اللَّه ٦ أشياءَ وكرهها، لم يَنْهَ عنها نهيَ حرام، إنّما نهى عنها نهيَ إعافة وكراهة، ثمّ رخّص فيها، فصار الأخذ بِرُخَصِه واجباً على العباد، كوجوب ما يأخذون من عزائمه [٣]، ولم يرخّص لهم رسول اللَّه فيما نهاهم عنه نهيَ حرامٍ، ولا فيما أمر به أمْرَ فَرْضٍ لازم» الحديث. [٤]
وفي قوله ٧: «فموسّع عليك» إشعار بالرخصة كما لايخفى. وكذا في قوله ٧:
«من باب التسليم» كما في حديث آخر.
وتكثير طرق الترجيح أيضاً للتوسيع، وإطلاق ذكر الوجوه وعدم التقييد بالترتيب- كما ستعرف- شاهد صدق على ذلك، وعلى هذا ذكر بعضها في خبر وآخَر في آخَرَ بلا التزام ترتيب ونسق؛ لكونها متساويةَ الأقدام في تحصيل الغرض، ولا مزيد فائدة في التصريح بذلك التساوي، بل هو كما تأمر أحداً يسألك عن كفّارة ماله- في الواقع ثلاث كفّارات كلٌّ تقوم مقام الاخرى في حال السعة- بواحدة منها على سبيل الاتّفاق، أو
[١]. الاحتجاج، ج ٢، ص ٣٥٧.
[٢]. انظر على سبيل المثال: الفقيه، ج ١، ص ٨٥، ذيل ح ١٨٨.
[٣]. في المصدر: «بنهيه وعزامه» بدل «من عزائمه».
[٤]. الكافي، ج ١، ص ٢٦٦، ح ٤.