الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٨٩ - وتنقيح المقام يقتضي بسطاً في الكلام
باعتبار تفرّسك أنّها أنسب بحاله، كالإعتاق بحال الغنيّ، والصومِ بحال الفقير، ولا تتعرّض للبدل؛ لعدم غرض يدعو إليه في الأغلب، اللّهمَّ إلّاأن يسأل: هل لها بدل؟
ولا يخفى أنّ الترجيح بين المختلفين فرع ثبوت ورودهما عن المعصوم، وجواز العمل بكلّ مع عدم الآخر ثبوتاً يسوغ العمل شرعاً. فنسبة الأخباريّين إلى أنّهم يجوّزون العمل بأيّ خبر وُجد في ظهر كتاب تقوّل عليهم.
ومن أخبار هذا الصنف ما في الاحتجاج أيضاً من أنّ الصاحب ٧ قال في جواب مكاتبة محمّد بن عبداللَّه الحميري: «بأيّهما أخذت من باب التسليم كان صواباً». [١]
وسيجيء في باب اختلاف الحديث بعد نقل حديث الإرجاء: وفي رواية اخرى:
«بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك». [٢]
الصنف الثاني: في التوقّف في السعة، وأخذ مخالف المخالف في الضيق.
في الاحتجاج أيضاً عن سماعة، قال: سألت أبا عبداللَّه ٧: يرد علينا حديثان؛ واحد يأمُرُنا بالأخذ به، والآخَر ينهانا عنه. قال: «لاتعمل بواحد منهما حتّى تأتي [٣] صاحبك، فتسأله عنه». قلت: لابدّ أن يعمل [٤] بأحدهما، قال: «خُذ بما فيه خلاف العامّة». [٥]
أقول: معنى العمل بالحديث الآمر الفعلُ بنيّة أنّه ممّا أمر به الشارع، فعدم العمل به إمّا بالفعل [لا] بالنيّة المذكورة أو بالترك. ومعنى العمل بالحديث الناهي التركُ بنيّة أنّه ممّا نهى الشارع، فعدم العمل إمّا بالترك لا بالنيّة المذكورة أو بالفعل. وعلى هذا فالمغيّى إلى زمان إتيان الصاحب ٧ عدمُ لزوم شيء من الفعل والترك، والضرورةُ التي ادّعاها السائل وقوعه بين النقيضين، والأخذ بما خالف العامّة في هذه الصورة ليس ترجيح أحد الخبرين اللّذين كلامنا فيهما، أعني الخبرين المقترنين بما معه يصحّ العمل بكلّ واحد، بل طريق العمل للجاهل الواقع بين النقيضين في المدّة التي يمكنه
[١]. الاحتجاج، ج ٢، ص ٤٨٣؛ الغيبة للطوسي، ص ٣٧٨. وفيهما: «من جهة التسليم».
[٢]. الكافي، ج ١، ص ٦٦، باب اختلاف الحديث، ح ٧.
[٣]. في المصدر: «حتّى تلقى».
[٤]. في المصدر: «أن نعمل».
[٥]. الاحتجاج، ج ٢، ص ٣٥٧.