الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٤٦ - باب الإرادة أنّها من صفات الفعل و سائر صفات الفعل
الحاصل لهم من المعاشرات والمعادات واكتساب العلوم والأخلاق الفطريّة المزاجيّة والمكتسبة، وحالة شوقيّة تنبعث من القلب، ويهيج بعد ذلك الاعتقادُ وتحمل على جلبه، و «من الفعل» بيان ل «ما». والمراد به معناه المصدري لا المفعول؛ أي بما يستقرّ من رأيهم من فعل شيء اعتقدوا خيريّته ومرجوحيّة تركه في نظرهم، وهذا الفعل هو الذي عبّر ٧ عنه حين نسبه إلى اللَّه تعالى بالإحداث، فكأنّه ٧ يقول: الإرادة من الخلق مجموع التروية والإحداث، ومن اللَّه تعالى مجرّد الإحداث.
فإن قلت: كيف قال ٧: «لا غير» مع أنّ للعلم الأزلي بأنّ ما يوجد خير- أي غير مضادّ للحكمة الكاملة كما سبق بيانه- دخلًا عظيماً، بل هو الأحقّ باسم الإرادة، وقد قال اللَّه تعالى: «يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ» [١] و «يَحْكُمُ ما يُرِيدُ» [٢]؟
قلت: المراد المتجدّد من الإرادة، وبيان أنّ المتجدّد من المخلوق كلا الأمرين، ومن اللَّه هو الأخير لا غير، وما جوّزه السيّد (قدس سره) من عطف الجملة على الجملة مجرّد إبداء احتمال، والسياق يأباه خصوصاً قوله ٧: «لا غير».
في البحار:
اعلم أنّ إرادة اللَّه تعالى- كما ذهب إليه متكلِّموا الإماميّة- هي العلم بالخير والنفع وما هو الأصلح، ولا يثبتون فيه تعالى وراء العلم شيئاً. ولعلّ المراد بهذا الخبر وأمثاله من الأخبار الدالّة على حدوث الإرادة هو أن يكون في الإنسان قبل حدوث الفعل اعتقاد النفع فيه، ثمّ الرويّة، ثمّ الهمّة، ثمّ انبعاث الشوق منه، ثمّ تأكّده إلى أن يصير إجماعاً باعثاً على الفعل؛ وذلك كلّه إرادة فينا متوسّطة بين ذاتنا وبين الفعل، وليس فيه تعالى سوى العلم القديم بالمصلحة من الامور المقارنة للفعل سوى الإحداث والإيجاد، فالإحداث في الوقت الذي يقتضي المصلحة وقوعَ الفعل فيه قائم مقام ما يحدث من الامور في غيره تعالى، فالمعنى أنّ ذاته تعالى بصفاته الذاتيّة الكماليّة كافية في حدوث الحادث، من غير حاجة إلى حدوث أمر في ذاته عند حدوث الفعل. [٣]
[١]. إبراهيم (١٤): ٢٧.
[٢]. المائدة (٥): ١.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٤، ص ١٣٧.