الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٤٨ - باب الإرادة أنّها من صفات الفعل و سائر صفات الفعل
وعلى المخلوقات، بل هي نسبة بينهما تحدث بحدوث المخلوقات؛ لفرعيّتها للمنتسبين معاً.
فنقول: إنّه لمّا كان هاهنا مظنّةُ شبهةٍ هي أنّه إن كان اللَّه عزّوجلّ خلق الأشياء بالمشيّة، فبِمَ خلق المشيّة؟ أبمشيّةٍ اخرى، فيلزم أن يكون قبل كلّ مشيّة مشيّةٌ إلى ما لا نهاية له؟
فأفاد الإمام ٧ أنّ الأشياء مخلوقة بالمشيّة؛ أمّا المشيّة نفسها فلايحتاج خلقها إلى مشيّة اخرى، بل هي مخلوقة بنفسها؛ لأنّها نسبة وإضافة بين الشائي والمَشيء تتحصّل بوجوديهما العيني والعلمي، ولذا أضاف خلقها إلى اللَّه سبحانه؛ لأنّ كلا الوجودين له وفيه ومنه.
وفي قوله ٧: «بنفسها» دون أن يقول «بنفسه» إشارةٌ لطيفة إلى ذلك؛ نظير ذلك ما يُقال:
إنّ الأشياء إنّما توجد بالوجود، فأمّا الوجود نفسه فلايفتقر إلى وجودٍ آخَرَ، بل إنّما يوجد بنفسه.
الخامس: ماذكره بعض المحقّقين بعدما حقّق أنّ إرادة اللَّه تعالى المتجدّدةَ هي نفس أفعاله المتجدِّدة الكائنة الفاسدة، فإرادته لكلّ حادث بالمعنى الإضافي ترجع إلى إيجاده، وبمعنى المراديّة ترجع إلى وجوده. قال: نحن إذا فعلنا شيئاً بقدرتنا واختيارنا، فأردناه أوّلًا، ثمّ فعلناه بسبب الإرادة؛ فالإرادة نشأت من أنفسنا بذاتها، لا بإرادة اخرى، وإلّا تسلسل الأمر إلى ما لا نهاية؛ فالإرادة مرادة لذاتها، والفعل مراد بالإرادة، وكذا الشهوة في الحيوان مشتهاة لذاتها لذيذةٌ بنفسها، وسائر الأشياء مرغوبة بالشهوة.
وعلى هذا المثال حال مشيّة اللَّه المخلوقةِ، وهي نفس وجودات الأشياء؛ فإنّ الوجود خير ومؤثّر لذاته ومجعول بنفسه، والأشياء بالوجود موجودة، والوجود مَشيء بالذات، والأشياء مشيّة بالوجود، وكما أنّ الوجود حقيقة واحدة متفاوتة بالشدّة والضعف والكمال والنقص، فكذا الخيريّة والمشيئة، وليس الخير المحض الذي لا يشوبه شرّ إلّاالوجود البَحْت الذي لا يمازجه عدم ونقص، وهو ذات الباري جلّ مجده؛ فهو المراد الحقيقي، إلى آخر ما حقّقه.
والأوفق بالأخبار هو الوجه الأوّل كما سيظهر لك في كتاب العدل، وسيأتي بعض الأخبار المناسبة لهذا الباب هناك، وخبرُ سليمان المروزي في باب احتجاجات