الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٥٧٥ - باب الإشارة والنصّ على أمير المؤمنين
الجيم: «أنّه ٦ قال في مرضه: ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلّون بعدي. فقالوا: ما شأنه؟
أهجر، أي أهذي؟ يُقال: هجر يهجر هجراً: إذا هذي، وأهجر: أفحش» [١] انتهى.
أقول: قد استفاض من نقلة الآثار من العامّة والخاصّة أنّ ابن الخطّاب هو الذي ردّ على رسول اللَّه ٦ ذلك ونسبه إلى الهذيان، ولعلّ هذا الفاضل لمّا تفطّن لأنّ هذه الكلمة صريحة في كفر قائلها، غيّر الاسلوب وأبهم القائل فراراً من الافتضاح، ولم يتبيّنه بأنّ من استشمّ رائحة العقل علِمَ أنّ الذي سمّى مثل هذا النصح بالهذيان من هو، ولأيّ غرض أقدم على هذا، وفي المثل السائر: إذا وضع البيطار مكواته في النار تفطّن البغل الشموس؛ لأنّ المقصود كيّه.
وممّا يشهد ما قلناه من أنّ القائل هو ذاك ما قال فاضلهم ومتتبّعهم ابن الأثير في النهاية حيث فسّر الهجر أوّلًا بالهذيان والفحش والتخليط، ثمّ قال:
ومنه حديث مرض النبيّ ٦، قال: ما شأنه؟ اهجر؟ أي اختلط كلامه على سبيل الاستفهام، أي هل تغيّر كلامه واختلط لأجل ما به من المرض؟ هذا أحسن ما يقال فيه، ولا تجعل إخباراً فيكون إمّا منالفحش أو الهذيان، والقائل كان عمر ولا يظنّ به ذلك [٢].
انتهى.
وفي شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة في شرح قوله ٧: «للَّه بِلادُ فُلانٍ فلقد قَوَّمَ الأوَدَ»:
روى ابن عبّاس قال: دخلت على عمر في أوّل خلافته، وقد القي له صاع من تمر على خصفة، فدعاني إلى الأكل، فأكلت تمرة واحدة، فأقبل فأكل حتّى أتى عليه، ثمّ شرب من جر كان عنده، واستلقى على مرفقة له، وطفق يحمد اللَّه، يكرّر ذلك.
ثمّ قال: من أين جئت يا عبد اللَّه؟ قلت: من المسجد، قال: كيف خلّفت ابن عمّك؟
فظننته يعني عبد اللَّه بن جعفر، قلت: خلّفته يلعب مع أترابه، قال: لم أعن ذلك، إنّما عنيت عظيمكم أهل البيت. قلت: خلّفته يمسح بالغرب على نخيلات من فلان
[١]. الفائق في غريب الحديث، ص ٣٩١.
[٢]. النهاية، ج ٥، ص ٢٤٦ (هجر) مع تلخيص و اختلاف يسير.