الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٥٤٢ - باب في شأن
الرأى، يعنون أنّهم يأخذون بآرائهم فيمايشكل من الحديث، أو مالم يأت فيه حديث ولا أثر» [١] انتهى.
وبالتشبّث بهذا الرأي رأوا أنفسهم مستغنين عن سؤال أهل الذكر والردّ إلى اولي الأمر الذين قرن اللَّه طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله بقوله: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» [٢]، وقال «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» [٣] فضلّوا وأضلّوا، ولمّا كان انهدام بنيانهم بإثبات أنّ للَّهتعالى في جميع الامور حتّى أرش الخدش حكماً معيّناً منزّلًا على الرسول ٧ مستودعاً عند امنائه لا يختلف باختلاف الآراء، ومن خالف ذلك لا من جهة عروض المانع من شرف لقاء إمام زمانه كان مضادّاً للَّه، بالغوا : في ذلك، كما لايخفى على من تتبّع الآثار.
وفي طيّ هذا الحديث الشريف سدّ جميع أبواب المفرّ على المصوّبة القائلين بأنّه لمّا لم يكن للَّهفي القضايا الاجتهاديّة حكم في نفس الأمر سوى رأى المجتهد يجوز الاختلاف في الرأي، وعلى المخطّئة القائلين بأنّ للَّهتعالى في كلّ واقعة حكماً معيّناً ولكنّه أبهمه علينا في كثير من الحوادث ليكون مضماراً للمجتهدين يتسابقون إلى الحكم الواقعي، ويستفرغون وسعهم في طلبه بالقياسات والاستحسانات إلى أن يستقرّ رأيهم على حكم فيفتون به، ويسمّون حكم اللَّه بالنسبة إليهم لا حكم اللَّه الواقعي؛ فإن اتّفق لأحد إصابة الواقع في الواقع فهو مثابٌ بثوابين، وإن أخطأ فله ثواب واحد، والحقّ أنّهم مأثومون، اتّفقت الإصابة أو وقع الخطأ؛ لأنّ القول بأنّ اللَّه سبحانه أبهم حكمه افتراءٌ عليه «إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ» [٤] بل الحقّ أنّ البُهم إنما طرأ على الأحكام المعيّنة المفصّلة المُستودعة عند العُلماء الربّانيين المستحفظين لكتاب اللَّه من جهة الطواغيت من المتغلّبين وفقهائهم المتقرّبين إليهم بالأباطيل المزوّرة ليأكلوا بهم الدنيا، وعارضوا أئمّة الدين : لحطام دنيا دنيّة زائلة، ونازعوهم
[١]. النهاية، ج ٢، ص ١٧٩ (رأى).
[٢]. النساء (٤): ٥٩.
[٣]. النساء (٤): ٨٣.
[٤]. يونس (١٠): ٦٩.