الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٧١ - شرح خطبة الكافي
والتكذيب، ثمّ تيسير أسباب الاستبصار لبعض منهم، مثل أن يوفّقه لصحبة الأخيار وخلطة العلماء الأبرار ليستمع منهم دلائل قاطعة وبراهين ساطعة، وهذا التيسير هو تتميم إيمان ذلك المُعار.
وأمّا سلب إيمان بعضٍ آخَرَ منهم فبأن يَكِلَه إلى نفسه، فيخالط الأشرار، ويعاشر الفجّار، فيدعوه إلى ضلالتهم فيقبل منهم، وهذا الوكول المفضي بالموكول إلى مخالطة المضلّين وإلى القبول منهم إنّما هو لأنّه كان في مرتبة المقدوريّة والإمكان ذا خصوصيّة بها كان ممكناً خاصّاً، وبسبب تلك الخصوصيّة كان مُعرضاً عن ذكر الرحمان، وقد قال اللَّه تعالى: «وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ» [١].
وكلا الأمرين- أعني تيسير أسباب الاستبصار، والوكول المستتبع لمخالطة المضلّين الأشرار المستعقب للجحود والإنكار- قد تحقّقا من اللَّه تعالى بالنسبة إلى جماعة اتّبعوا أمير المؤمنين ٧ بعدما بويع بالخلافة بزعم أنّ إمامته إنّما تحقّقت بالبيعة دون النصّ من اللَّه ورسوله، فسلب اللَّه إيمان بعضهم- وهم الناكثون والمارقون الذين ارتدّوا على أعقابهم، وحاربوه ٧ بعد أن بايعوه وأقرّوا بإمامته، فصاروا بذلك الإقرار في عِداد المؤمنين الظاهريّين، ثمّ سُلبوا الإيمانَ بمحاربته، فدخلوا بذلك في الكفر- وتمَّم للباقين إيمانَهم وتصديقهم التقليدي، بأن وفّقهم لأن يستمعوا منه ٧ خطباً جليلة مشتملة على حِكَم ومعارف تكشف غشاوة الجهل عن قلوب من سبقت لهم من اللَّه الحُسنى، وتجلو صدأ الريب [٢] عنها، وهم الذين قاتلوا تحت لوائه ٧ على بصيرةٍ ويقين إلى أن استشهدوا، فياليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً.
ومعنى مشيّة التتميم ومشيّة السلب هو العلم الذاتي بكون كلّ واحد منهما فيمن فُعل به هو الصواب الموافق للحكمة الكاملة، المُنبئ عن كمال القدرة على إجابة سؤال
[١]. الزخرف (٤٣): ٣٦.
[٢]. في حاشية النسخة: إنّ هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، وهو أن يركبها الرين بمباشرة المعاصي والآثام، فيذهب بجلائه، كما يعلو الصدأ وجه المرآة والسيف ونحوهما. النهاية [ج ٣، ص ١٥ (صدأ)].