الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٧٢ - شرح خطبة الكافي
كلّ ممكن يسأله بلسان خصوصيّته التي بها كان ممكناً خاصّاً، ولا تتوقّف إلّاعلى عدم المنافاة للحكمة الكاملة، وعدم المعاداة للعزّة القاهرة، فكلّ ما يتحقّق من كلِّ- خيراً كان أو شرّاً، طاعةً كانت أو معصيّةً- فهو ممّا استدعاه وسأله من القادر الحكيم في مرتبة الإمكان والمقدوريّة بلسان خصوصيّة ذاته، وتحقّقها كاشف عن موافقتها للحكمة التي لا يعلم كنهها إلّااللَّه.
وقد قلت في بعض قصائدي (شعر):
تعبير تو از حكمت حقّ مرجعش اينست* * * كان علم بأطوار و شؤونات خدائيست
ومن بديع حكمته وعظيم قدرته أن خلق من الممكنات ممكناً من خصوصيّته الذاتيّة الشوق إلى اختيار الإيمان على الكفر إذا وقع بين داعييهما، وممكناً آخَرَ من خصوصيّته الذاتيّة الشوق إلى الكفر، ولا تستبعد كلَّ الاستبعاد أن يكون الذاتان مختلفين بالنوع، ليت شعري ما الذي أفادك اليقينَ بأنّ الحيوان الناطق نوع حقيقي، ولا يمكن أن يكون في نفس الأمر إضافيّاً متحصّلًا نوعين بفصلين لم يخطرا بالبال؟! وأنّى لك ولمثلك أن تحيط بجميع أجزاء المهيّة؟! وما الذي آمنك أنّ الذي اشتهر أنّه فصلٌ أخير ليس فصلًا مقسّماً؟! وكأنّه لم يقرع سمعك ما اعترف به الرئيس في رسالة الحدود من خروج تحقيق أجزاء المهيّة والتمييز بين الذاتيّات والعَرَضيّات عن طوق البشر؛ «أطرِقْ كرا، أطرقْ كرا، إنّ النّعام في القُرى». [١]
محصّل الكلام أنّ السعداء والأشقياء متمايزون في الذوات والطينات في مرتبة الإمكان والمقدوريّة، وثَمَّ ثبتت الطاعة والمعصية، لا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء، ولا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء، لا تتبدّل مقتضياتهم الذاتيّة.
[١]. مَثَلٌ يضرب للمعجب بنفسه؛ أو مَثَل يضرب لمن يخدع بكلام لطيف له، و يراد به الغائلة؛ أو يضرب لمن يتكلّم عنده بكلام فيظنّ أنّه هو المراد بالكلام، أي اسكت فإنّي اريد من هو أنبل منك و أرفع منزلة؛ أو يضرب للرجل الحقير إذا تكلّم في الموضع الذي لايشبهه و أمثاله الكلام فيه، فيقال له: اسكت فإنّ الأجلّاء أولى بهذا الكلام منك. الصحاح، ج ٤، ص ١٥١٦؛ لسان العرب، ج ١٥، ص ٢٢؛ تاج العروس، ج ١٣، ص ٢٩٥ (طرق)؛ وج ٢٠، ص ١٢٣ (كرو).