الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٥١ - معنى ديگر بر سبيل احتمال
والمراد بالجاهل هنا من فرّط في ذلك، واكتفى بتقليد الحقّ ليكون اسم التفضيل على معناه الحقيقي، والسهر والشخوص ما يكون على الوجه الصحيح، وإن أخذ أعمّ منه ومن المجازي الذي هو مجرّد الفضل، فالتفضيل بالنسبة إلى غير الصحيح، كما في قولهم: الخلّ أحلى من العسل، وكما في قوله تعالى: «فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ» [١].
قوله: (بَشَّرَ أهلَ العقلِ والفهمِ). [ح ١٢/ ١٢]
المراد بالعقل هنا مصدر عقل، بمعنى تدبّر وتفكّر؛ بقرينة إردافه بالفهم.
قوله: «يستمعون القول». [ح ١٢/ ١٢]
أي لا يعرضون عن سماع الدعوة إذا لم يكونوا على يقين ببطلان خلاف ما هم عليه، كما أعرض الامم السابقة؛ قال تعالى حكايةً عن نوح ٧: «وَ إِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَ أَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً» [٢]، وقال تعالى: «وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ» [٣]، فأمر اللَّه تعالى تبشير المشتاقين إلى الحقّ، وهم الذين إذا وقعوا بين دعوات متقابلة لم يعرضوا عنها أجمع، كما يفعله الملاحدة الفجرة؛ خوفاً للزوم شيء عليهم، وكما يفعله المقلّدة للآباء والأسلاف المتمكّنة بقريحتهم التي اعطوها من تمييز الحقّ والباطل؛ خوفاً للزوم ترك طريقة الآباء، بل استمعوها استماع دراية، ثمّ لم يبادروا إلى اتّباع واحدة منها لغرضٍ باطل من مالٍ أو جاهٍ أو ما أشبههما، بل تأمّلوا فيها، فاتّبعوا أحسنها الذي هو الحقّ، على أنّ اسم التفضيل منسلخ عن معنى الزيادة، وضمير «أَحْسَنَهُ» في الآية إلى القول، والقول عامّ للباطل والحقّ.
وهاهنا محمل آخر، وهو أن يكون الضمير عائداً إلى مصدر الفعل، أي يتّبعون أحسن اتّباع، فالقول على هذا هو الكلام الحقّ.
وكلا المحملين مراد، ومثل هذا كثير في القرآن المجيد، وهذا الحديث يلائم الأوّل.
[١]. الجمعة (٦٢): ٩.
[٢]. نوح (٧١): ٧.
[٣]. فصّلت (٤١): ٢٦.