الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٥٠ - معنى ديگر بر سبيل احتمال
ولا مَغدًى.
وبَقِيَ رجالٌ غَضَّ أبصارَهم ذِكْرُ المرجِعِ، وأراقَ دُموعَهُم خوفُ المحشر، فهم بين شَريد نادٍّ [١]، وخائف مقموع، وساكتٍ مَكْعومٍ، [٢] وداعٍ مُخْلِصٍ، وثَكلانَ مُوجَعٍ، قد أخمَلَتْهُم التقيّةُ، وشَمِلَتْهُم الذلّةُ، فهم في بحرٍ اجاج، أفواههم ضامِزة، [٣] وقلوبهم قَرِحَةٌ، قد وَعَظوا حتّى مَلّوا، وقُهِروا حتّى ذَلّوا، وقُتِلوا حتّى قَلّوا، فلتكن الدنيا أصغر في أعينكم من حُثالَةِ القَرَظ [٤]، وقُراضَة الجَلَمِ [٥]، واتّعظوا بمن كان قبلَكم قبل أن يَتَّعِظَ بكم مَنْ بَعْدَكم، وارفُضُوها ذَميمةً؛ فإنّها قد رَفَضَتْ مَنْ كان أشغَفَ بها منكم». [٦]
قوله: (ما قَسَمَ اللَّهُ للعبادِ [شَيْئاً] أفضَلَ من العقلِ). [ح ١١/ ١١]
العقل قسمان: غريزي، وكسبيّ. والكسبيّ هو الذي اخرج من القوّة إلى الفعل بالتجارب، وتعلّم العلوم والآداب والعمل بها، وكلاهما بحسب القسمة الأزليّة في التدبير الأزلي، وسيجيء في باب البداء وبابٍ قبله وبابٍ بعده معنى التدبير الأزلي، وليست التسوية مأخوذة في مفهوم القسمة.
قال المطرزي في المغرب: «القسم- بالفتح- مصدر قسم القسّام المال بين الشركاء:
فرّقه بينهم، وعيّن انصباءهم» انتهى. [٧]
نعم، إذا استعمل مع «على» اريد التسوية، فلكلّ مكلّف من كلّ من الغريزي والكسبي قسمة ونصيب.
والعاقل في قوله ٦: (نومُ العاقلِ أفضَلُ مِن سَهَرِ الجاهلِ) مَن وُفّق لإخراج ما في قوّته الغريزيّة إلى الفعل، وحفظه عن استيلاء الهوى وغلبة حبّ الدنيا.
[١]. شريد نادّ، أي مطرود ذاهب لوجهه؛ إما لإنكاره، أو لقلّة صبره على مشاهدته. مجمع البحرين، ج ٣، ص ١٥ (ندد).
[٢]. كَعَمَ البعير يَكْعَمُه كَعْماً، فهو مَكعوم وكَعيم: شدّ فاه. لسان العرب، ج ١٢، ص ٥٢٢ (كعم).
[٣]. «ضامزة» بالزاي، أي ساكنة. راجع: الصحاح، ج ٢، ص ٨٨١؛ لسان العرب، ج ٧، ص ٢٣٢ (ضمز).
[٤]. الحُثالة والحُثال: الرديء من كلّ شيء. والقرظ: شجر يُدْبغ به. لسان العرب، ج ٧، ص ٥٤ (قرظ)؛ وج ١١، ص ١٤٢ (حثل).
[٥]. قال ابن أبي الحديد: «الجلم: المقصّ، تجزّ به أوبار الإبل. وقراضته: ما يقع من قرضه وقطعه». شرح نهج البلاغة، ج ٢، ص ١٧٧.
[٦]. نهج البلاغة، ص ٧٤، الخطبة ٣٢.
[٧]. المغرب، ص ٣٨٢ (قسم).