الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٩٩ - وتنقيح المقام يقتضي بسطاً في الكلام
وقوله: «وكلاهما اختلف في حديثكم». فيه إشعارٌ بأنّه ينبغي أن يُختار للحكم مَن عُلم من حاله- إمّا من جهة الإخبار أو الاشتهار- أنّه لا يفتي إلّابمنطوقات الأحاديث ومدلولاتها الصريحة ولوازمها البيِّنة، كابني بابويه وغيرهما من القدماء، لا من كان مشتهراً بالإفتاء من جهة الظنون الحاصلة من الاعتبارات العقليّة، والأمارات باللوازم الغير البيّنة، والأفراد والجزئيّات الغير البيّنة الاندراج، كما هو حال جمع من المتأخّرين؛ فإنّ من تتبّع شروح الفقه والكتب الاستدلاليّة علم أنّ أكثر الاختلافات نشأ من جهة الاعتقاد بجواز الاعتماد على مطلق الظنّ، اللّهمَّ إلّاالحاصل بالقياس؛ لصراحة النهي عنه، واختلافُهم من جهة اختلاف الأخبار والترجيحات المأثورة قليل.
ثمّ إنّ اختلافهما في الحديث بأن يدّعي أحدهما وجود خبر عنده صحيحٍ مقتضاه بحسب نظره كذا وكذا، ويدّعيَ الآخَر مقابله، ولم يذكرا الحديثين، أو ذكرا مجرّداً عن الإسناد وبيان وجه الاستناد لعدم الفائدة للمستفتين؛ إذ ليسا من أهل النظر على ما هو المفروض، فذكر الأعدل والأوثق ليترجّح عند المتحاكمين ادّعاء الموصوف بالأعدليّة والأوثقيّة لوجود الخبر الموثوق به على ادّعاء الآخر له، وذكر الأفقه ليترجّح نظر الموصوف بالأفقهيّة على نظر الآخر، وذكر الأورع ليترجّح نظر الموصوف بالأورعيّة من جهة عدم المساهلة في تدقيق النظر وعدم ميله واتّباع هواه على الآخر.
وفي قوله ٧: «الحكم ما حكم به» إلى آخره، دلالة على ما قلناه.
وقوله: «ليس بمشهور عند أصحابك» بعد قوله: «المجمع عليه» لبيان أن ليس المراد بالإجماع مصطلحَ الاصوليّين، بل ما اشتهر اعتباره والعمل به بين الفرقة المحقّة الذين لم يخلطوا طريقتهم بطريقة المخالفين، كالكليني، وابني بابويه، ومن تقدّمهم من الأخباريّين ذوي البصيرة.
والمجمع عليه بهذا المعنى لا ريب في حقّيّته؛ لأنّ حجّيّة الإجماع باعتبار دخول المعصوم، ولا ريب أنّ ما كان العمل به مشتهراً بين الأصحاب في زمانهم : كان مأخوذاً منهم، ومعلوماً أنّهم عليه، وليس الاشتهار من جهة الرأي والاجتهاد الذي بين