الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٨٥ - فصل في «وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ»
مع اليسرى من مآخيره. وينقل الاخريَيْنِ أيضاً من خلاف؛ ليثبت على الأرض، ولا يسقط إذا مشى.
أما ترى الحمارَ كيف يذلّ للطحن والحمولة وهو يرى الفرس مودعاً منعّماً، والبعيرَ لا يطيقه عدّة رجال لو استعصى كيف ينقاد للصبيّ؟
والثور الشديد كيف كان يذعن لصاحبه حتّى يضع النِيرَ على عنقه ويحرث به.
والفرس الكريم يركب السيوف والأسنّة بالمواتاة لفارسه.
والقطيع من الغنم يرعاه رجل واحد، ولو تفرّقت الغنم فأخذ كلّ منها في ناحية لم يلحقها.
وكذلك جميع الأصناف المسخَّرة للإنسان، فبِمَ كانت كذلك إلّابأنّها عدمت العقل والرويّة، فإنّها لو كانت تعقل وتروي في الامور كانت خليقةَ أن تلتوي على الإنسان في كثير من مآربه، حتّى يمتنع الجمل على قائده، والثور على صاحبه، وتتفرّق الغنم عن راعيها، وأشباه هذا من الامور.
وكذلك هذه السِّباع لو كانت ذوات عقل ورويّة فتوازرت [١] على الناس، كانت خليقةَ أن تحاجّهم فمن كان يقوم للُاسد والذئاب والنمورة والدِّبَبَة لو تعاونت وتظاهرت على الناس؟ أفلا ترى كيف حجز ذلك عليها، وصار مكان ما يخاف من إقدامها ونكايتها تهاب مساكن الناس وتحجم عنها، ثمّ لا تظهر ولا تنتشر لطلب قوتها إلّا بالليل، فهي مع صولتها كالخائف للإنسان، مغمومةٌ [٢] ممنوعة منهم، ولولا ذلك لساورتهم في مساكنهم وضيّقت عليهم.
ثمّ جعل في الكلب من بين هذه السِّباع عطفٌ على مالكه، ومحاماة عنه، وحفاظ له، فهو ينتقل على الحيطان والسطوح في ظلمة الليل لحراسة منزل صاحبه، وذبّ الذعار عنه، ويبلغ من محبّته لصاحبه أن يبذل نفسه للموت دونه ودون ماشيته، ويألفه غايةَ الالف حتّى يصبر معه على الجوع والجفوة، فلِمَ طبع الكلب على هذا الالف إلّاليكون
[١]. توازرت، أي اجتمعت واتّحدت.
[٢]. في المصدر: «مقموعة» أي مقهورة ذليله.