الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٨١ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
- أي المأخوذ بحيث لا يصحّ أن ينتزع منها الوجود لهذا الانضمام ولصحّة الانتزاع التي هي كونه موجوداً- لأنّ المعدوم لا يصحّ إيجاده لشيء فضلًا عن أن يوجد ذاتَه بديهةً، فالسبب في صحّة انتزاع الوجود وانضمامه إلى المهيّة- التي يصحّ خلوّها في مرتبة اللحاظ العقلي عن الوجود- لا يكون إلّاموجوداً آخَرَ يفيد وجود هذا الموجود.
المقدّمة الثالثة: أنّ الموجودات التي يحتاج كلّ واحدٍ منها إلى موجِد مباين له، يحتاج مجموعها إلى الموجب المباين له، وحكم الواحد والجملة لا يختلف فيه؛ لأنّ مجموعها مَهيّات يصحّ عليها جملةً أن تكون خالية عن الوجود؛ فإنّه كما يصحّ تحليل كلّ واحد إلى مهيّة ووجود منتزع عنها- وامتيازُهما عند العقل في ملاحظتهما امتيازاً لا يكون معه وفي مرتبته خلط بينهما، ولذلك يحكم بكونه محتاجاً إلى سببٍ مباين له موجودٍ- كذلك يصحّ على الجملة والمجموع الغير المتناهية المؤلّفة من تلك الآحاد ما يصحّ على كلّ واحدٍ منهما؛ فإنّ العقل لايفرّق في هذا الحكم بين الجملة المتناهية والجملة الغير المتناهية، كما لايفرّق فيه بين الجملة المتناهية وكلّ واحد.
وإذ قد تمهّدت المقدّمات، فأقول: خلاصة الاستدلال أنّه لا شكّ في حركات المتحرّكاتٍ من العلويّات حركات ليست طبيعيّةً للمتحرّك؛ للانصراف عمّا يتحرّك إليه، ولا إراديّةً للمتحرّك؛ لانضباطها ودوامها وانحفاظها الدالّة على عدم اختلاف أحوال المتحرّك بالحركة من الاستنشاط أو الكلال أو حدوث ميل وغيرها التي يتحدّس منها بكونها غير إراديّة للمتحرّك، وكلّما وجدت الحركة، كان المحرِّك لها موجوداً بحكم المقدّمة الاولى والثانية، وإذ ليست إراديّةً للمتحرّك، فله محرِّك يضطرّه إلى الحركة، والقاهر الذي اضطرّه إلى الحركة أقوى منه وأحكم؛ لأنّ الضعيف لا يمكنه قهر القويّ، فلا يكون حالّاً في المتحرِّك، محتاجاً إليه، وأكبر من أن يحاط بالمتحرّك أو تحصر فيه، أو أن يتّصف بمثل صفته الاضطراريّة، ولابدّ أن ينتهي إلى محرّك لا يكون جسماً؛ لأنّ الجسم لا يحرّك الجسم إلّابالمجاورة والحركة، أو إحداث محرّك في المتحرّك [١]، فيكون التحريك بالحركة، والكلام في حركته كالكلام في حركة الاولى، أو ينتهي؛ لضرورة انتهاء الأجسام المتحرِّكة، ولكون جميعها محتاجةً إلى خارج بحكم المقدّمة
[١]. في المصدر:+/ «وإذ عرفت أنّ المحرّك ليس في المتحرّك».