الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٤٦ - شرح الخطبة من كتاب بحار الأنوار
أعظم من أن يوصف بها، فكلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوق مثلكم مردود إليكم، فالقابل بالبيّنة مع امتناعها في نفسها إنّما يحكم حسب ما يتصوّره، وكذا القابل بالرحمة إنّما يثبت له ما يثبت لنفسه؛ فتعالى اللَّه عمّا يشركون.
ويُحتمل أن يعود الضمير إلى المفعول، أي إنّ تنازع الأوهام والتخيّلات إنّما تنتهي إلى العقول؛ إذ الوهم إنّما يكون في حكم العقل وتحت سلطانه، فكلّ ما يدركه الوهم من الأشياء فإنّما يوصلها إلى العقل، والعقل عاجز من إدراكه سبحانه، فكيف حال الوهم.
«وفيها أثبت غيره» أي في الأشياء ما يدّعي إثباتَ غير اللَّه حيث يزعمون أنّها على شيء، وليسوا يدرون أنّها لا شيء محض وأعدام صرفة، وإنّما هي مظاهر أنوار الوهيّة، ومجالُ أحكام ربوبيّة، ولا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نَفْعاً ولا حياةً ولا نُشُوراً، [١] فإثبات الغير هو إسناد أمر من الامور إلى شيء غير اللَّه، وغير حوله وقوّته، ولا حول ولا قوّة إلّاباللَّه.
ويمكن أن يكون المراد أنّ في النظر إلى الأشياء وتنقّلات أحوالها وتطوّرات أوضاعها أثبت أنّها غير اللَّه؛ إذ خالقها منزّه عن أوصافها، ولا يكون مثلَها. وهذه العبارة كنظائرها يحتمل أن يكون ضمير «فيها» يرجع إلى العقول [أي] إنّ في العقول أثبت غير اللَّه؛ وذلك يحتمل وجهين:
أحدهما: أنّ كلّ ما يحصل في العقل ويتوهّم أنّه هو اللَّه، فهو غير اللَّه، كما في الخبر: «كلّ ما ميّزتموه في أدقّ معانيه مخلوق مثلكم». [٢]
والثاني: أنّ في العقول أنّ هنا أشياءَ غيرَ اللَّه ومنها أنبط الدليل. في القاموس: «كلّ ما اظهر بعد خفاء، فقد انبط، واستُنبط مجهولين» [٣] انتهى. أي ومن الأشياء استخرج الدليل على وجوده سبحانه ووحدته وسائر صفاته الحسنى وتقدّسه عمّا لا يليق بجناب الكبرياء.
ففي كلّ شيء له آية* * * تدلّ على أنّه واحد
قيل: هذه الآية هي أحديّة كلّ موجود، سواء كان واحداً أو كثيراً؛ فإنّ الكثير أحديّة
[١]. إشارة إلى الآية ٣ من سورة الفرقان (٢٥).
[٢]. راجع: بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٢٩٢.
[٣]. القاموس المحيط، ج ٢، ص ٣٧٨ (نبط).