الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٤٠ - باب اختلاف الحديث
وافق كتاب اللَّه وسنّتي فخذوا به، وما خالف كتاب اللَّه وسنّتي فلا تأخذوا به؛ وليس يوافق هذا الخبر كتاب اللَّه؛ قال اللَّه تعالى: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» [١]، فاللَّه عزّوجلّ خفي عليه رضا أبي بكر من سخطه حتّى سأل عن مكنون سرّه، هذا مستحيل في العقول». [٢] انتهى كلامه (صلوات اللَّه عليه وسلامه).
ومن أمثلة المخالَفة: ما افترى ذلك على رسول اللَّه ٦ أنّه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث؛ فإنّه مخالف لقول اللَّه تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» [٣]، وقولِه تعالى حكايةً عن زكريّا ٧: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» [٤]، ولا ينافي ذلك ما سبق من «أنّ الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً» [٥] لأنّ المراد أنّهم ليسوا كأهل الدنيا يدّخرون القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة، لا أنّهم لا يورّثون شيئاً أصلًا ولو كان داراً أو عقاراً أو فرساً أو سلاحاً أو نحو ذلك، كما لا يخفى على من له بصيرة.
ولعلّك تقول: إنّ متضمّن الخبرين كان معلوماً في الكتاب والسنّة، فأيّة حاجة إلى الخبر والعرض؟
والجواب بعد تمهيد أصل، وهو أنّه روى صاحب الاحتجاج عن أمير المؤمنين ٧ أنّه قال في حديثٍ طويل أجاب فيه عن أسئلة الزنديق الذي جاءه ٧ مستدلّاً بآيٍ من القرآن متشابهةٍ على وقوع التناقض، فيه: «ثمّ إنّ اللَّه- جلّ ذكره- بسعة رحمته، ورأفته بخلقه، وعلمه بما يحدثه المبدّلون من تغيير كتابه، قسّم كلامه بثلاثة أقسام؛ فجعل قسماً منه يعرفه العالم والجاهل، وقسماً لا يعرفه إلّامن صفا ذهنه ولطف جنسه وصحَّ تمييزه ممّن شرح اللَّه صدره للإسلام، وقسماً لا يعرفه إلّااللَّه وامناؤه والراسخون في العلم، وإنّما فعل ذلك لئلّا يدّعي أهل الباطل المستولين على ميراث رسول اللَّه من علم
[١]. ق (٥٠): ١٦.
[٢]. الاحتجاج، ج ٢، ص ٤٤٦.
[٣]. النمل (٢٧): ١٦.
[٤]. مريم (١٩): ٥ و ٦.
[٥]. الكافي، ج ١، ص ٣٢، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، ح ٢.