الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٨٨ - فصل في «وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ»
الوحوش وأصناف السِّباع من الأسد والضباع والذئاب والنمور وغيرها، وضروب الهوامّ والحشرات ودوابّ الأرض، وكذلك أسراب الطير من الغربان [١] والقطا والإوزّ [٢] والكراكي [٣] والحمام وسباع الطير جميعاً، وكلّها لا يُرى منها إذا ماتت إلّاالواحد بعد الواحد يصيده قانص [٤] أو يفترسه سبع، فإذا أحسّوا بالموت كَمَنُوا [٥] في مواضعَ خفيّة فيموتون فيها، ولولا ذلك لامتلأت الصحاري منها حتّى تفسد رائحة الهواء، وتحدث الأمراض والوباء، فانظر إلى هذا بالذي يخلص إليه الناس، وعملوه بالتمثيل [٦] الأوّل الذي مثل لهم كيف جعل طبعاً وأذكاراً في البهائم وغيرها؛ ليسلم الناس من معرّة [٧] ما يحدث عليهم من الأمراض والفساد.
فكِّر يا مفضّل في الفطن التي جعلت في البهائم لمصلحتها بالطبع والخلقة لطفاً من اللَّه عزّوجلّ؛ لئلّا يخلو من نعمه- جلّ وعزّ- أحدٌ من خلقه لا بعقلٍ ورويّة، فإنّ الأيّل يأكل الحيّات، فيعطش عطشاً شديداً، فيمتنع من شرب الماء خوفاً من أن يدبّ السمّ في جسمه فيقتله، فيقف على الغدير وهو مجهود عطشاً، فيعجّ عجيجاً عالياً ولا يشرب منه، ولو شرب لمات من ساعته، فانظر إلى ما جعل من طباع هذه البهيمة من تحمّل الظمأ الغالب الشديد خوفاً من المضرّة في الشرب، وذلك ما لا يكاد الإنسان العاقل المميّز يضبطه من نفسه.
والثعلب إذا أعوزه الطعم، تمادت ونفخ بطنه حتّى يحسبه الطير ميّتاً، فإذا وقعت عليه لتنهشه، وثب عليها فأخذها، فمن أعان الثعلب العديم النطق والرويّة بهذه الحيلة
[١]. الغربان، جمع الغراب.
[٢]. الإوزّ، جمع الإوَزَّة: طائر مائى. لسان العرب، ج ٥، ص ٣٠٩ (أوز).
[٣]. الكراكي، جمع كُرْكي: طائر كبير أغبر اللون، طويل العنق والرجلين، أبتر الذنب، قليل اللحم، يأوي إلى الماءأحياناً.
[٤]. قَنَصَ الصيدَ: صاده. لسان العرب، ج ٧، ص ٨٣ (قنص).
[٥]. كَمَنَ: توارى واستخفى، ومنه الكمين في الحرب. مجمع البحرين، ج ٦، ص ٣٠٢ (كمن).
[٦]. المراد بالتمثيل ما ذكره اللَّه تعالى في قصّة قابيل.
[٧]. المعرّة: الأذى. لسان العرب، ج ٤، ص ٥٥٦ (عرر).