الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٩٠ - فصل في «وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ»
نَشْز [١] من الأرض لكيلا يفيض السيل فيغرقها، فكلّ هذا منه بلا عقل ولا رويّة، بل خلقة خلق عليها لمصلحة لطفاً من اللَّه جلَّ وعزّ.
انظر إلى هذا الذي يُقال له الليث، وتسمّيه العامّة أسدَ الذباب، وما اعطي من الحيلة والرفق في طلب معاشه؛ فإنّك تراه حين يحسّ بالذباب قد وقع قريباً منه تركه مليّاً حتّى كأنّه موات لا حِراك به، فإذا رأى الذباب قد اطمئنّ وغفل عنه دَبَّ دبيباً دقيقاً حتّى يكون منه بحيث يناله وثبَه، ثمّ يثب عليه فيأخذه، فإذا أخذه اشتمل عليه بجسمه كلّه مخافةَ أن ينجو منه، فلا يزال قابضاً عليه حتّى يحسّ بأنّه قد ضعف واسترخى، ثمّ يقبل عليه فيفترسه، ويحيا [بذلك] منه.
فأمّا العنكبوت، فإنّه ينسج ذلك النسجَ، فيتّخذه شَرَكاً ومصيداً للذباب، ثمّ يكمن في جوفه، فإذا نشب فيه الذباب أحال عليه يلدغه ساعة بعد ساعة، فيعيش بذلك منه.
فكذلك يحكى صيد الكلاب والفهود، وهكذا يحكى صيد الأشراك والحبائل.
فانظر إلى هذه الدُّوَيبة الضعيفة كيف جُعل في طبعها ما لا يبلغه الإنسان إلّابالحيلة واستعمالات آلات فيها، فلا تزدر بالشيء إذا كانت العبرة فيه واضحةً كالذرّة والنملة وما أشبه ذلك؛ فإنّ المعنى النفيس قد يمثّل بالشيء الحقير، فلا يضع منه ذلك كما لا يضع من الدينار- وهو من ذهب- أن يوزَن بمثقال حديد.
تأمّل يا مفضّل جسمَ الطائر وخلقته، فإنّه حين قدّر أن يكون طائراً في الجوّ خفّف جسمه، وادمج خلقه، فاقتصر به من القوائم الأربع على اثنتين، ومن الأصابع الخمس على أربع، ومن منفذين للذبل والبول على واحد يجمعهما، ثمّ خُلق ذا جؤجؤ محدّد؛ ليسهل عليه أن يخرق الهواء كيف ما أخذ فيه، كما جُعل في السفينة بهذه الطبيعة لتشقّ الماء وتنفذ، وجُعل في جناحيه وذَنَبه ريشاتٌ طِوال مِتان لينهض بها للطيران، وكسى كلّه ليداخله الهواء فيقلّه، ولمّا قدّر أن يكون طعمه الحَبَّ واللحمَ يبلعه بلعاً بلا مضغ، نَقَصَ من خلقه [٢]، وخلق له منقار صلب حاس [٣] يتناول به طعمه، فلا ينسحج [٤] من لقط
[١]. النشر: المكان المرتفع.
[٢]. في المصدر: «من خلقة الإنسان».
[٣]. في المصدر: «جاسي».
[٤]. ينسحج، أي ينتشر.