الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٩١ - فصل في «وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ»
الحبّ، ولا يتقصّف [٥] من نهش اللحم، ولمّا عدم الأسنان وصار يزدرد الحبّ صحيحاً واللحم غريضاً، اعين بفضل حرارة في الجوف تطحن له الطعم طحناً يستغني به عن المضغ، واعتبر ذلك بأنّ عُجْم العنب وغيرِه يخرج من أجواف الإنس صحيحاً، ويطحن في أجواف الطير لا يرى له أثر.
ثمّ جُعل ممّا يبيض بيضاً ولا يولد ولادة لكيلا يثقل على [٦] الطيران، فإنّه لو كانت الفراخ في جوفه تمكث حتّى تستحكم، لأثقلته وعاقته عن النهوض والطيران، فجعل كلّ شيء من خلقه متشاكلًا للأمر الذي قدّر أن يكون عليه، ثمّ صار الطائر السائح في هذا الجوّ يعقد على بيضه فيحضنه اسبوعاً، وبعضها اسبوعين، وبعضها ثلاثة أسابيعَ حتّى يخرج البيضة من الفرخ [٧]، ثمّ يقبل عليه، فيزقّه الريح ليتّسع حوصلته للغذاء، ثمّ يربّيه ويُغذّيه بما يعيش به، فما كلّفه أن يلتقط الطعم ويستخرجه بعد أن يستقرّ في حوصلته ويغذو به فراخه، ولأيّ معنى يحتمل هذه المشقّة، وليس بذي رويّة ولا تفكّر ولا تأمّل في فراخه ما يأمل الإنسان في ولده من العزّ والرفد وبقاء الذكر، فهذا هو فعل يشهد بأنّه معطوف على فراخه لعلّة لا يعرفها ولا يفكّر فيها، وهي دوام النسل وبقاؤه لطفاً من اللَّه تعالى ذكره.
انظر إلى الدجاجة كيف تهيج لحصن البيض والتفريخ، وليس لها بيض مجتمع ولا وَكْر موطَّأ، بل تنبعث وتنتفخ وتَقَوْقى وتمتنع من الطعم حتّى يجتمع لها البيض، فتحضنه وتفرخ، فلِمَ كان ذلك منها إلّالإقامة النسل؟ ولا رويّة ولا تفكّر، لولا أنّها مجبولة على ذلك.
اعتبر بخلق البيضة وما فيها من المخّ الأصفر الخاثر، [٨] والماء الأبيض الرقيق؛
[٥]. يتقصّف، أي يتكسّر.
[٦]. في المصدر: «عن».
[٧]. في المصدر: «حتّى يخرج الفرخ من البيضة».
[٨]. الخثورة، نقيض الرقّة. يقال: خثر اللبن خثورة، بمعنى اشتدّ وثخن. انظر: لسان العرب، ج ٤، ص ٢٣٠؛ مجمع البحرين، ج ٣، ص ٢٨٢ (خثر).