الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٩٣ - فصل في «وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ»
الريشة، وهو مع ذلك أجوف ليخفّ على الطائر، ولا يعوقه عن الطيران.
هل رأيت يا مفضّل هذا الطائر الطويل الساقين؟ وعرفت ما له من المنفعة في طول ساقيه؟ فإنّه أكثرَ ذلك في ضحضاح [١] من الماء، فتراه بساقين طويلين كأربيئة [٢] فوق مرقب، وهو يتأمّل ما يدبّ في الماء، فإذا رأى شيئاً ممّا يتقوّت به خطا خطواتٍ رقيقاً حتّى يتناوله، ولو كان قصير الساقين كان يخطو نحو الصيد ليأخذه يصيب بطنه الماء، فيثور ويذعر منه، فيتفرّق عنه، فخلق له ذلك العمودان ليدرك بهما حاجته، ولا يفسد عليه مطلبه.
تأمّل ضروب التدبير في خلق الطائر، فإنّك تجد كلّ طائر طويلَ الساقين طويلَ العنق، وذلك ليتمكّن من تناول طعمه من الأرض، ولو كان طويلَ الساقين قصيرَ العنق لما استطاع أن يتناول شيئاً من الأرض، وربّما اعين مع طول العنق بطول المناقير ليزداد الأمر عليه سهولةً وله إمكاناً، أفلا ترى أنّك لا تفتّش شيئاً من الخلقة إلّاوجدته على غاية الصواب والحكمة». [٣]
قال ٧: «فأمّا الطائر الصغير- الذي يُقال له: أبو تمرة [٤]- فقد عشّش في بعض الأوقات في بعض الشجر، فنظر إلى حيّة قد أقبلت نحوَ عُشّه فاغرة فاها لتبلعه، فبينما هو يتقلّب ويضطرب في طلب حيلة منها إذا وجد حسكة، فحملها، فألقاها في فم الحيّة، فلم تزل الحيّة تتلوى وتتقلّب حتّى ماتت، أفرأيت لو لم أخبرك بذلك كان يخطر ببالك أو ببال غيرك أنّه يكون من حسكة مثل هذه المنفعة؟ أو يكون من طائر صغير أو كبير مثل هذه الحيلة؟». [٥]
[١]. الضحضاح: ما رقّ من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين، أو الماء القليل يكون في الغدير وغيره. لسانالعرب، ج ٢، ص ٥٢٥ (ضحح).
[٢]. في المصدر: «كأنّه ربيئة».
[٣]. توحيد المفضّل، ص ١٠٥- ١١٩؛ بحار الأنوار، ج ٣، ص ٩٧- ١٠٦.
[٤]. في المصدر: «ابن تمرة».
[٥]. توحيد المفضّل، ص ١٢١؛ بحار الأنوار، ج ٣، ص ١٠٦.