الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٩٥ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
نفسه، لا يضادّه في ملكه أحدٌ ولا يحاجّه، وأنّه خالق كلّ شيء».
السابع: الأدلّة السمعيّة من الكتاب والسنّة، وهي أكثر من أن تُحصى، وقد مرّ بعضها، ولا محذور بالتمسّك بالأدلّة السمعيّة في باب التوحيد، وهذه هي المعتمد عليها عندي، وبسط الكلام في تلك الأدلّة وما سواها ممّا لم نشر إليها موكول إلى مظانّها.
ولنرجع إلى حلّ الخبر وشرحه، وقد قيل فيه وجوه:
الأوّل: أنّ المراد بالقوي القويُّ على فعل الكلّ بالإرادة مع إرادة استبداده به، والمراد بالضعيف الذي لا يقوى على فعل الكلّ، ولا يستبدّ به، ولا يقاوم القويّ؛ «فإن كانا قويّين فلِمَ لايدفع كلّ منهما صاحبه وينفرد به» أي يلزم من قوّتهما انفراد كلِّ بالتدبير، ويلزم منه عدم وقوع الفعل «وإن زعمت أنّ أحدهما قويّ والآخر ضعيف ثَبَتَ أنّه واحد» أي المبدأ للعالم واحد؛ لعجز الضعيف عن المقاومة [والتأثير]، وثبت احتياج الضعيف إلى العلّة الموجدة؛ لأنّ القويّ أقوى وجودها من الضعيف، وضعف الوجود لا يتصوّر إلّا بجواز خلوّ المهيّة عن الوجود، ويلزم منه الاحتياج إلى المبدأ المباين الموجِد له.
«وإن قلت: إنّهما اثنان» أي المبدأ اثنان. وهذا هو الشقّ الثاني، أي كونهما ضعيفين بأن يقدر ويقوى كلّ منهما على بعض، أو يفعل بعضاً دون بعض بالإرادة وإن كان يقدر على الكلّ، وفي هذا الشقّ «لا يخلو من أن يكونا متّفقين» أي في الحقيقة من كلّ جهة، ويلزم من هذا عدم الامتياز بالتعيّن، للزوم المغايرة بين الحقيقة والتعيّن المختلفة، واستحالة استنادهما إلى الحقيقة، واستحالة استنادهما إلى الغير، فيكون لهما مبدأ «أو مختلفين مفترقين من كلّ جهة» وذلك معلوم الانتفاء، فإنّا «لمّا رأينا الخلق منتظماً، والفلك جارياً» والتدبير واحداً «و [اختلاف] الليل والنهار والشمس والقمر، دلّ صحّة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أنّ المدبِّر واحد» لا اثنان مختلفان من كلّ جهةٍ. ثمّ ذلك المدبِّر الواحد لايجوز أن يكون واحداً بجهة من حيث الحقيقة، مختلفاً بجهة اخرى، فيكون المدبِّر اثنين.
«ويلزمك إن ادّعيت اثنين فرجةٌ بينهما» لأنّ لهما وحدةً، فلا يتمايزان إلّابمميّز فاصل بينهما حتّى يكونا اثنين؛ لامتناع الاثنينيّة بدون فاصل [١] بلا مميّز بينهما.
[١]. في المصدر:-/ «بدون فاصل».