الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٥٧ - باب البداء
الوجود على ذلك الوجه، وأنّ ما تراءى أنّه سبب له أو يتأدّى إليه لم يستحقّ الوجود على ذلك، فوجود ما وجد وعدمُ ما لم يوجد كلاهما كانا قد تعيّنا في الأزل لدى الحكيم العليم، وبالإفاضة منه تعالى وعدم الإفاضة صار إحداهما موجوداً، وبقي الآخر معدوماً.
فمرجع بداء اللَّه تعالى إلى إيجاد أمر حسب ما يستحقّ الوجود صرفه عن مجرى العادة لمصلحة هو أعلم بها، وربما يظهرها للعباد، وهذا يشبه البداء اللغوي في أنّهما يشتركان في أنّ الفاعل ترك ما كان مقصوداً عاديّاً من فعله بترك الفعل أو إبراز مقصود آخر لأجل مصلحة، ويفترقان في أنّ أحدهما عن علم سابق أزليّ بتلك المصلحة، والآخر عن علمٍ حادث في أثناء الفعل، وقد سبق عن أبي عبداللَّه ٧ أنّه «ما بدا للَّهفي شيء إلّاكان في علمه قبل أن يبدو له». [١]
وعنه ٧ أنّه قال: «إنّ اللَّه لم يَبْدُ له من جهل» [٢] وقال تعالى: «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» [٣]، وقال تعالى: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً» [٤].
في القاموس: «تنزّل: نزل على مهلة». [٥]
وما أشبه بذلك في انسياق الحكم على وجه التدرّج إلى حدّ الإمضاء دفاترُ ملوك الدنيا، وكان ما في عالم الملك احتذاءً بما في عالم الملكوت، ولعلّ العلم بالنظام الأعلى الذي هو المجموع بما هو مجموع الكتابُ المبين الذي ما من ورقة تسقط ولا حبّة في ظلمات الأرض ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلّافيه، وهو امّ الكتاب الذي عند اللَّه تعالى، والإمكان لوح المحو والإثبات.
فإن قلت: ما وجه الحثّ على الكلام في البداء؟ وما الغرض في أخذ الميثاق على النبيّين بالإقرار بالبداء؟
[١]. الكافي، ج ١، ص ١٤٨، باب البداء، ح ٩.
[٢]. المصدر، ح ١٠.
[٣]. الرعد (١٣): ٣٩.
[٤]. الطلاق (٦٥): ١٢.
[٥]. القاموس المحيط، ج ٤، ص ٥٦ (نزل).