الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٦٢٩ - باب ما يُفصَل بين دعوى المحقّ و المبطل في أمر الإمامة
بالدليل والبرهان، فما دليلك على ما ادّعيت؟ على أنّ الإجماع بيننا إنّما هو في ثلاثة:
أمير المؤمنين والحسن والحسين :، ولم يذكر الرسول ٦ ذرّيّته وإنّما ذكر عترته، فملتم أنتم إلى بعض العترة دون بعض بلا حجّة وبيان أكثر من الدعوى، واحتججنا نحن بما رواه أسلافنا عن جماعة حتّى انتهى خبرهم إلى نصّ الحسين بن عليّ على ابنه، ونصّ عليّ على محمّد، ونصّ محمّد على جعفر، ثمّ استدللنا على صحّة إمامة هؤلاء دون غيرهم ممّن كان في عصرهم من العترة بما ظهر من علمهم بالدين وفضلهم في أنفسهم، وقد حمل العلم عنهم الأولياء والأعداء، وذلك مبثوث في الأمصار، معروف عند نقلة الأخبار؛ وبالعلم يبيّن الحجّة من المحجوج، والإمام من المأموم، والتابع من المتبوع، وأين دليلكم يا معشر الزيديّة على ما تدّعون [١]؟
ثمّ قال صاحب الكتاب: ثمّ رجعنا إلى إيضاح حجّة الزيديّة في قول اللَّه عزّ وجلّ: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا» [٢] الآية.
فيُقال له: نحن نسلّم لك أنّ هذه الآية نزلت في العترة، فما برهانك أنّ السابق في الخيرات هم ولد الحسن والحسين، دون غيرهم في سائر العترة؟ فإنّك لست تريد إلّا التشنيع على خصومك، وتدّعي لنفسك.
ثمّ قال: قال اللَّه- عزَّ وجلَّ- وذكر العامّة والخاصّة من امّة نبيّه ٦: «وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً» [٣] ثمّ انقضت مخاطبة العامّة، ثمّ استأنف مخاطبة الخاصّة فقال: «وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ» [٤] إلى قوله للخاصّة: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» [٥] فقال: هم ذرّيّة إبراهيم ٧ دون سائر الناس، ثمّ المسلمون دون من أشرك من ذرّيّة إبراهيم قبل إسلامه، وجعلهم شهداء على الناس فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا» إلى قوله: «وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ» [٦] وهذا سبيل الخاصّة من ذرّيّة إبراهيم، ثمّ اعتلّ بآيات كثيرة تشبه هذه الآيات من القرآن.
فيقال له: أيّها المحتجّ أنت تعلم أنّ المعتزلة وسائر فرق الامّة تنازعك في تأويل هذه
[١]. كمال الدين، ص ١١٥.
[٢]. فاطر (٣٥): ٣٢.
[٣]. آل عمران (٣): ١٠٣.
[٤]. آل عمران (٣): ١٠٤.
[٥]. آل عمران (٣): ١١٠.
[٦]. الحجّ (٢٢): ٧٧- ٧٨.