شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٣٠٩ - الفرع الأوّل في حقيقة اللّذة والألم
الخروج عنها. وبعبارة أُخرى: هي الخروج عن الحالة الغير الطبيعيّة إلى الحالة الطبيعية»[١]. وأمّا الخروج عن الحالة الطبيعيّة، فليست لذّة عنده، بل ذلك عنده هو الألم أو سببه. فالصّواب هو إحدى هاتين العبارتين، فعنده لذّة الأكل هي زوال ألم الجوع، ولذّة الوقاع زوال ألم دغدغدة المنيّ لأوعيته، وهكذا.
قال[٢]: إنّ الأُمور المستمرّة لا يشعر بها، فإذا تجدّد زوال حالة غير طبيعيّة إلى حالة طبيعية يشعر بها. فقد قارن إدراك الحالة ذلك الزّوال الّذي هو اللذّة، فظنّوا أنّ إدراك الحالة الطبيعيّة، أي الملائمة هو اللذّة. فقد أخذوا ما بالعرض مكان ما بالذّات.
وقال الإمام في الملخّص: إنّ اللذّة لا تتمّ لنا إلاّ بالإدراك، والإدراك الحسيّ سيّما اللّمسي إنّما يحصل بالانفعال عن الضدّ. فإذا استمرّت الكيفيّة الموجبة لذلك لم يحصل الانفعال، فلم يحصل الشعور، فلم تحصل اللذّة، فلمّا لم تحصل اللذّة اللّمسيّة إلاّ عند تبدّل الحال الغير الطّبيعي ظنّ الطبيب الرّازي أنّ اللذّة نفسها هي ذلك الانفعال، والخروج عن تلك الحالة الغير الطبيعيّة، فقد أخذ ما بالعرض مكان ما بالذّات. وهو ظنّ فاسدٌ، فإنّ الإنسان قد يلتذّ بالنّظر إلى الوجه الحسن، وبالوقوف على مسألة علميّة، وبوصول مال إليه من غير أن يخطر بباله هذه الأشياء قبل وصولها إليه حتّى
[١] هذه العبارة مطابقة لما نقله شارح المواقف. لاحظ : شرح المواقف: ٦ / ١٣٧ .
[٢] أي قال محمد بن زكرياء الطبيب. لاحظ تفصيل مذهبه في رسائل فلسفيّة: ١٣٩ ـ ١٦٤، ١٣٨ .