شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٥٠٩ - المسألة الحادية عشرة في أقسام الكون
فطبيعيّ الحركة الّتي هي نوع من الكون إنّما يحصل عند مقارنة أمر غير طبيعيّ، لأنّ الحركة غير قارّة الذّات، والطبيعة قارّتها، فلا يمكن اقتضاؤها لها بذاتها، بل لابدّ من اقتران الطبيعة بحالة غير طبيعيّة، كحصول الجسم في غير مكانه الطبيعيّ، فيقتضي طبيعة حصوله في مكانه الطبيعيّ، وذلك بالانتقال إليه تدريجاً، وهو المراد من الحركة، فاقتضاء الطبيعة الحركة إنّما يكون عند زوال أمر هو مقتضاها، كالكون في الحيّز الطبيعيّ لتُردّ ـ تلك الطبيعة بهذه الحركة ـ الجسم إليه ـ ; أي إلى ذلك الأمر الّذي هو مقتضى الطبيعة، فيقف الجسم وينتهي الحركة عند العود إلى ما هو مقتضى طبيعته.
فلا يكون الحركة الطبيعيّة دوريّةً، لأنّ الحركة الطبيعية كما عرفت هي هرب بالطبع عن أمر وطلب لآخر، والحركة الدوريّة هرب عمّا هي طلب له بعينه، ومحال أن يكون المهروب عنه بالطبع بعينه هو المطلوب بالطبع.
لا يقال: الحركة الطبيعية في منتصف المسافة مثلاً تهرب عمّا طلبته بالطبع.
لأنّا نقول: قد علمت أنّ الحركة الطبيعيّة إنّما تصدر عن الطبيعة لا بانفرادها، بل بمشاركة أحوال غير طبيعية، ولتلك الأحوال درجات متفاوتة في القُرب والبُعد. فإذا حركت الطبيعة الجسم إلى نقطة معيّنة كانت مع حالة مخصوصة غير ملائمة. فإذا وصل الجسم إلى تلك النقطة لم يبق تلك الحالة بعينها، بل حصلت حالة أُخرى هي الحصول في حدّ آخر، فعلّة الحركة الطالبة لتلك النقطة غير علّة الحركة الهاربة عنها.