شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٤٤٥ - الأوّل في الكمّ
والمصنّف أورد من أدلّة وقوع التخلخل والتكاثف وجهين [١]:
الأوّل: أنّ القارورة الضيقة الرأس تكبّ على الماء، فلا يدخلها أصلاً، فإذا مصّت مصّاً قوّياً وشدّ رأسها بالإصبع بحيث لا يتّصل برأسه هواء من خارج، ثمّ كبّت عليه دخلها.
وما ذلك لخلاء حدث فيها بإخراج المصّ بعض الهواء، أو كلّه منها ضرورة امتناعه كما مرّ، كيف. ولو كان الخلاء جايزاً، فما الّذي يقسر الماء على الدخول وهو لا يميل بطبعه إلى فوق.
بل ذلك إنّما هو لأنّ المصّ أخرج بعض الهواء وأحدث في الهواء الباقي تخلخلاً بحيث شغل مكان الخارج أيضاً لئلاّ يلزم الخلاء حيث ليس هناك شيء يدخله بسهولة سهولة التخلخل. ثمّ أوجد فيه البرد الّذي في طبيعة الماء تكاثفاً، فصغر حجمه أو عاد الهواء المتخلخل بطبعه إلى مقداره الأوّل حيث ارتفعت الضرورة لوجود ما يدخلها بسهولة وهو الماء، فإن قسره على الميل إلى فوق أسهل من قسر الهواء على التخلخل كما لا يخفى على المتأمّل. والطبيعة ما دام تجد سبيلاً أسهل لا تعدل إلى غير الأسهل، فدخلها الماء لئلاّ يلزم الخلاء.
وبهذا التقرير يندفع ما أُورد على هذا الوجه: من أنّ دخول الماء لو كان لأجل التكاثف الحاصل من برده، لكانت القارورة المذكورة إذا كبّت على الماء الحارّ لم يدخلها، والتجربة شاهدة بخلافه، فتدبّر .
[١] لاحظ : كشف المراد: المسألة الخامسة من المضاف ; والبراهين القاطعة: ١ / ٤٨٦ ـ ٤٨٧ ; وشرح تجريد العقائد: ٢٩٨ .