شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٣١٦ - المسألة الرّابعة في الإرادة والكراهة، وفيها فروع ٣١٩
الكمال والخير المؤثر عندها التذّت به لا محالة لتحقّق حدّ للذّة هاهنا كما تحقّق هناك.
وهي هاهنا أقوى ممّا هناك، لكون إدراك العقل أتمّ من إدراك الحسّ، لكونه واصلاً إلى كنه الأشياء وحقائقها، بخلاف إدراك الحسّ، لكونه واقفاً عند سطوح الأجسام وظواهرها، ولكون مدرك العقل أشرف وأبهى لتجرّده عن الشوائب المادّية والعوارض الجسمانيّة الّتي هي منبع الخسّة ومعدن الدناءة، بل لا نسبة لهذه اللذّة إلى تلك اللذّات، كما لا نسبة لمدرك العقل إلى تلك المدركات على ما بيّنا.
وإلى هذا أشار بقوله: وهو; أي العقليّ أقوى، ولذلك ترى الّذين أُوتوا حظّاً [١] منها يستحقرون طيّبات الحياة الدّنيا، ولا يصدنّك عن هذه التفات طائفة منهم إلى شيء من شهواتها، فإنّ ذلك منهم ليس من حيث إنّها لذّات حسّية مرغوب فيها، بل من حيث إنّها بالقياس إليهم وسائل تلك اللذّة العظمى على ما قاله المحقّق الشريف.
فثبت تحقّق اللذّة العقليّة، وكونها أقوى من اللذّات الحسيّة. وهذا ردّ لمن زعم من أهل الظاهر أنّه لا لذّة إلاّ في المحسوسات.
وهذه اللذّة العقليّة، ثابتة لسائر المجرّدات العقليّة والذّوات القدسيّة على طبقاتها وتفاوت مراتبها، بل للمبدأ الأوّل جل شأنه وإن لم يتعارف إطلاق لفظ اللذّة على ما هناك.
[١] في د: «نصيباً».