کلمات سدیدة في مسائل جدیدة - مؤمن، محمد - الصفحة ٢٢١ - إنّ البحث يقع في جهات
و بعبارة أُخرى: لا ريب في أنّ العقلاء يرون العقد بما أنّه عقد و قرار مؤكّد بين طرفين موضوعا تامّا لوجوب الوفاء به، فعندهم حيثية العقد هي تمام الملاك للحكم بالصحة و وجوب الوفاء، و لا فرق عندهم في هذا الحكم بين ما كان معهودا عند السابقين و ما حدث بينهم من عقود جديدة كعقد التأمين، فجميعها بما أنّها عقد يجب الوفاء به و ترتيب الأثر المقصود عليه. و هذا أمر مرتكز عندهم.
فإذا ورد عليهم من الشارع الحكيم قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) لا يفهمون منه إلّا أن اللَّه تعالى أيضا قد أمضى ما عندهم من أنّ كلّ عقد بما أنّه عقد يكون صحيحا يترتّب عليه الأثر المطلوب في الشرع أيضا فلا يشذّ عن عمومه عقد دون عقد، اللّهمّ إلّا بدليل يوجب الاستثناء.
(و ثانيا) إنّ أصل الاستصناع ليس أمرا حادثا في مثل زماننا، بل كما يعلم من المتون القديمة كالأمّ و الخلاف كان أصله معهودا في الأزمنة السالفة أيضا.
و الاعتبار أيضا يشهد بقدمه.
غاية الأمر أنّ المستصنع آنذاك كان مثل الخفّ و الكوزة و القلنسوة ممّا يصنع في عدد غير كثير و بيد الصانع، و في زماننا يكون أمثال الأواني الزجاجية و غيرها المصنوعة بالمصانع الحديثة بعدد الملايين و أزيد.
و كما أنّ بيع الكثير منها بيع مشمول لأدلّة صحة البيع و لمثل قوله تعالى:
(أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) [١] فهكذا استصناعها بهذه الصورة الثانية أيضا يكون مشمول دليل صحة الاستصناع و قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).
فإن قلت: إنّ مقتضى عموم الآية المباركة و إن كان صحة الاستصناع في صورته الثانية أيضا إلّا أنّ هنا أخبارا خاصّة صحيحة الإسناد قد وردت عن
[١] البقرة: ٢٧٥.