کلمات سدیدة في مسائل جدیدة - مؤمن، محمد - الصفحة ٤٠١ - تبيّن مقتضى الأدلّة
أنّ الشارع أيضا يمضي ما عليه ارتكازهم و أنّ قتل النفوس محرّم إلّا إذا كان من باب القصاص أو لدفع فساد المفسدين في الأَرض.
و أمّا الإيراد الثاني؛ فالجواب عنه أنّه لا شكّ عند الأذهان العرفية أنّ مفاد المنطوق إنّما هو بيان حرمة قتل النفس و أنّه حرام و من الكبائر و أنّ مفهومه أنّه إذا كان قتل نفس من باب الاعتداد بالمثل أو من باب دفع فسادها فلا حرمة له.
و بعبارة اخرى: إنّ التعبير المذكور في الآية لو كان في أمر تعبّديّ محض ليس له عند العقلاء أصل لكان لما ذكر من الإيراد وجه و أمّا إذا كان مورده أمرا يكون للمخاطبين فيه حكم في المستثنى منه و المستثنى- كما عرفت- و كان هذا الحكم في كليهما موافقا لما جاء في الآية مفهوما و منطوقا فلا يبقى حينئذ شبهة في أنّ المعلّق على القيدين نفس الحرمة لا شدّتها و أنّ قتل النفس إذا كان بنفس أو بفساد في الأَرض فلا حرمة له أصلا.
فإن قلت: إنّ المذكور في الآية أنّ ما تضمّنته الآية المباركة من الحكم قد كتب على بني إسرائيل، فهو من التشريعات المجعولة في دين اليهود، و لا دلالة فيها على جريانه و سريانه في شريعة الإسلام أيضا.
قلت: بل لا ينبغي الشبهة في أنّ ذاك المذكور حكم عامّ لجميع الشرائع الإلهيّة فهو جار و سار في شرع الإسلام أيضا و ذلك:
أمّا أوّلا؛ فلأنّ تفريع هذا الحكم- بقوله تعالى (مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ)- على حكاية ابني آدم و قتل أحدهما لأخيه مع التصريح فيها- بقوله تعالى قالَ: (لَأَقْتُلَنَّكَ)؛ قالَ: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ- على أنّ قتل النفس مضادّ للتقوى؛ فيه دلالة على أنّ كتابة هذا الحكم و هذا التحريم إنّما هو لرعاية التقوى؛ فقتل النفس مناف للتقوى إلّا في الموردين و لا محالة يكون الحكم عامّا لجميع الشرائع الإلهيّة، هذا.