کلمات سدیدة في مسائل جدیدة - مؤمن، محمد - الصفحة ٣٧٨ - فالمقصود الأصيل بالبحث في هذه المقالة أمران
الجملة بقوله «وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً» يشخّص المعنى المراد و هو الإفساد في الأَرض بالإخلال بالأمن و قطع الطريق دون مطلق المحاربة مع المسلمين.
على أنَّ الضرورة قاضية بأن النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لم يعامل المحاربين من الكفّار بعد الظهور عليهم و الظفر بهم هذه المعاملة من القتل و الصلب و المثلة و النفي.
على أنّ الاستثناء في الآية التالية قرينة على كون المراد بالمحاربة هو الإفساد المذكور فإنّه ظاهر في أنّ التوبة إنّما هي من المحاربة دون الشرك و نحوه.
فالمراد بالمحاربة و الإفساد؛ على ما هو الظاهر؛ هو الإخلال بالأمن العامّ، و الأمن العامّ إنّما يختل بإيجاد الخوف العامّ و حلوله محلّه، و لا يكون بحسب الطبع و العادة إلّا باستعمال السلاح المهدّد بالقتل طبعا، و لهذا ورد فيما ورد من السنة تفسير الفساد في الأَرض بشهر السيف و نحوه [١].
أقول: ما أفاده قدّس اللَّه نفسه الزكيّة من اختصاص الآية بالمسلمين الَّذين فسقوا و حاربوا للَّه و رسوله متين جدّا كما مرّ إلّا أنّ حمل مادّة المحاربة على شهر السلاح لا خافة الناس غير مستقيم.
و ذلك أمّا أوّلا فلأنّ قولنا «يُحارِبُونَ اللَّهَ» مشتمل على مادّة المحاربة و هيأه تعليق الفعل على المفعول به و لكلّ منهما معنى حقيقي و مجازي، فارادة حقيقة القتال و انّه واقع على اللَّه تعالى هي التي صحّ ان يقال انها مستحيلة، لكنّه إذا أريد من مادّة المحاربة إبطال أثر لأحكام اللَّه تعالى و لا سيّما ما كان للرسول صلّى اللَّه عليه و آله فيه ولاية ارتفع المحذور كما انه لو أريد منها معناها الحقيقي و كان تعليقه على اللَّه تعالى من باب المجاز في الاسناد و بعناية أنّ من قاتل الدولة الإلهية الّتي أسّسها رسول اللَّه فكأنّه قاتل اللَّه تعالى ارتفع أيضا المحذور.
[١] الميزان: ج ٥، ص ٣٥٤.