سلامة القرآن من التحريف و تفنيد الإفتراءات - الدكتور فتح الله المحمدي - الصفحة ٤٥١ - المناقشة الرابعة
|
"كيف لم يطلبوا جمع علي بن أبي طالب أَوَ ما كان أَكتَب من زيد بن ثابت؟! أَوَ ما كان أَعرَب من سعيد بن العاص؟! أَوَ ما كان أقرب إلى رسول الله (٦ ) من الجماعة؟! بل تركوا بأجمعهم جَمعَه واتخذوه مهجوراً ونبذوه ظهرياً وجعلوه نسياً منسياً... ومن المعلوم إنّ الذين تولوا جمعه كيف خاضوا فيه ولم يراجعوا أهل البيت : في حرف، بعد اتفاقهم على أنّ القرآن مخصوص بهم وإنّهم أحد الثقلين في قول النبىّ (٦ ) إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي وفي رواية أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض..."[١]. |
١ ـ مفاتيح الأسرار ومصابيح الأنوار: ج ١، ص ١٢٥.
أقول: ما قاله الشهرستاني قولٌ في محله، فانّ القرآن مخصوص بهم وهم حملة تراثه، وإنّا ـ كما قال بعض المحققين ـ إذا أخذنا بنظر الاعتبار السؤال الذي يطرح عادةً وهو السؤال عن حدود التفسير الذي مارسه الرسول الاعظم (٦ ) ومداه، فهل شمل القرآن كله بان كان يفسّر الآيات تفسيراً شاملاً؟ أم اقتصر على جزء منه؟ أم كان يتناول الآيات التي يستشكل الصحابة في فهمها ويسألون عن معناها وحسب؟
فهناك من يعتقد ان النبىّ (٦ ) لم يفسر إلاّ آيات من القرآن ويستند أصحاب هذا القول في ذلك إلى روايات تنفي ان يكون الرسول (٦ ) قد فسّر القرآن كلّه تفسيراً شاملاً وعلى رأس هؤلاء السيوطي في الاتقان (ج ٤، ص ١٩٦ ـ ٢٠٠).
فمن تلك الرّوايات ما أخرجه البزاز عن عائشة قال: "ما كان رسول الله (٦ ) يفسر... إلاّ آياً بعدد..." (التفسير والمفسرون، للذهبي، ج ١، ص ٥١).
وأهم ما يعزز هذا القول هو طبيعة الأشياء والوقائع المشهودة وإلاّ لكثرت روايات الصحابة عنه في هذا الشأن، ولما وجدنا الكثرة الكاثرة منهم أو كبار رجالاتهم يتحيرون في معنى آية أو كلمة من القرآن ويغيب عنهم حتّى المدلول اللفظي للنص.
ولكن توجد في مقابل ذلك أدلّة وشواهد من القرآن وغيره تشير إلى ان النبىّ (٦ ) كان يقوم بعملية تفسير شامل للقرآن كله، ولعل في طليعة ذلك قوله تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) البقرة (٢)/ ١٥١ وقوله تعالى: (...وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم ولعلهم يتفكرون)النحل/ ٤٤.
وطبيعة الأشياء حين ننظر إليها من زاوية أخرى غير الزاوية السابقة... تدلّ على أنّ النبىّ (٦ ) قد فسّر القرآن تفسيراً شاملاً كاملاً لأنـّنا عرفنا: من ناحية أنّ الفهم الاجمالي للقرآن لم يكن كافياً لكي يفهم الصحابة القرآن فهماً شاملاً دقيقاً... ومن ناحية أخرى نحن نعرف: أنّ القرآن لم يكن في حياة المسلمين نصاً أدبياً أو أشياء ترتل ترتيلاً في عباداتهم وطقوسهم وانما كان الكتاب الذي أُنزل لإخراج الناس من الظلمات إلى النور وتزكيتهم وتثقيفهم والارتفاع بمختلف مستوياتهم وبناء الشخصية الاسلامية الواعية للفرد والاسرة والمجتمع.
ومن الواضح أنّ هذا الدور العظيم لا يمكن للقرآن الكريم أن يؤديه بصورة كاملة شاملة ما لم يفهم فهماً كاملاً شاملاً...وهكذا نجد أنفسنا أمام تناقض بين قولين لكلّ منهما شواهده ومعززاته وهذا التناقض بحاجة إلى حلّ.
وقد لا نجد حداً منطقياً أقرب إلى القبول من القول: بأنَّ النبىّ (٦ ) فسّر القرآن الكريم على مستويين: فقد كان يفسّره على مستوى العام في حدود الحاجة ومتطلبات الموقف الفعلي ولهذا لم يستوعب القرآن كله.
وكان يفسّره كذلك على مستوى خاص تفسيراً شاملاً كاملاً بقصد ايجاد من يحمل تراث القرآن ويندمج به اندماجاً مطلقاً بالدرجة التي تتيح له ان يكون مرجعاً بعد ذلك في فهم الأُمة للقرآن...
ونحن إذا فسّرنا الموقف في هذا الضوء، وجدنا أنـّه يتّفق مع طبيعة الأشياء من كل ناحية.
فندرة ما صح عن الصحابة من الرّوايات عن النبىّ (٦ ) في التفسير مردها إلى أنّ التفسير على المستوى العام لم يكن يتناول جميع الآيات بل كان يقتصر على قدر الحاجة الفعلية.
ومسؤولية النبىّ (٦ ) في ضمان فهم الأُمة للقرآن وصيانته من الانحراف يعبّر عنها المستوى الخاص الذي مارسه من التفسير ولا يكفي المستوى العام لحصول هذا الضمان...
وهذا الحلّ المنطقي للموقف تدعمه النّصوص المتواترة الدالة على وضع النبىّ (٦ ) لمبدأ مرجعية أهل البيت : في مختلف الجوانب الفكرية للرسالة ووجود تفصيلات خاصة لدى أهل البيت تلقوها عن النبىّ (٦ ) في مجالات التفسير والفقه وغيرهما.
أما النصوص التي تمثل مبدأ مرجعية أهل البيت : في الجوانب الفكرية للرسالة فهي كثيرة..." ثم ذكر عدة نصوص، منها حديث الثقلين وحديث الامان (وهو قوله (٦ ): "النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف" انظر: مستدرك الصحيحين: ٣/ ١٤٩ والصواعق: ١٤٠) وحديث السفينة (وهو قوله (٦ ): "مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تركها غرق"، راجع لمصادره، فضائل الخمسة: ج ٢، ص ٤٤ ـ ٦٦) وحديث الحق (وهو قوله (٦ ): "علي مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض" انظر: تاريخ بغداد، ج ١٤، ص ٣٢١ وتفصيل الرواة في فضائل الخمسة: ج ٢، ص ١٢٢ ـ ١٢٤) وغيرها من النصوص... (علوم القرآن: السيد محمّد باقر الحكيم، ص ٢٥٢ ـ ٢٥٧.