التربية عند أئمة أهل البيت عليهم السلام - الغرابي، مها نادر عبد محسن - الصفحة ٥١ - ١- التربية العقلية
جعل للإنسان عقلاً وجبله على التفكير والتدبر والموازنة بين الخير والشر. وهذا ما كان لفلاسفة اليونان رأي بأهمية دور العقل وخاصة (سقراط) إذ قال: " الفضيلة علم وألرذيلة جهل ". فيرى (سقراط) أنّ الإنسان يريد الخير دائماً، ويهرب من الشر بالضرورة، فمن تبين ماهيته وعرف خيره بما هو إنسان ارادة حتماً. أما الشهواني فرجل جهل نفسه وخيره، ولا يعقل أنّه يرتكب الشر عمداً. وعلى ذلك الفضيلة علم، والرذيلة جهل - وهذا قول مشهور عن سقراط يدل على مبلغ إيمانه بالعقل وحبه للخير([٨٣]).
وقد جعل القرآن الكريم للإنسان اختيار الطريق الصحيح والتأثر بما يمكن أن يصل إليه من نتائج، فإن الله تعالى وهب الإنسان العقل كما وهبه قابلية التمييز بين الخير والشر، قال تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)([٨٤]).
كما أنّ القرآن الكريم قد قدر العقل واعتبره مناط المسؤولية وركز على أهميته في بناء عقيدة المسلم وتصحيح مفهوم التوحيد والعبودية والتفكر في ايات الله([٨٥]). والتفكر هو من أعظم العبادات بل لا عبادة أفضل ولا عمل أعظم منه، ويتوقف كل عبادة وكل عمل عليه، ولا ينال الإنسان درجة من الماديات والمعنويات إلاّ به، وهو إنسانية الإنسان. فهو كالوجود، فكما أنّ الوجود، موجود بذاته وموجد غيره فكذلك التفكر موجود بذاته وموجد كل علم. وكالنور, فكما أنّ النور ظاهر بذاته مظهر لغيره فكذلك التفكر ظاهر بذاته وكاشف عن كل معلوم([٨٦]). قوله تعالى:
[٨٣] كرم, يوسف: تأريخ الفلسفة اليونانية, دار القلم, بيروت, ط١, ١٩٧٧, ص٥٣.
[٨٤] سورة الإنسان: آية: ٣.
[٨٥] يوسف, زينب بشارة: أساليب التربية في القرآن, ص٢١.
[٨٦] المظاهري, حسين: دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية, ص٣١٣.