التربية عند أئمة أهل البيت عليهم السلام - الغرابي، مها نادر عبد محسن - الصفحة ٣١٠ - ١- حقيقة الكبر
فالكبر تعبير عن الحال الحاصلة في النفس من هذه الاعتقادات ويسمى عزاً وتعظماً أيضاً، ثم هذه العزة تقتضي أعمالا في الظاهر والباطن وهي ثمراته، ويسمى ذلك تكبراً، فإنَّهُ مهما عظم عنده قدر نفسه فضلاً عن غيره، حقر من دونه وازدراه، وأقصاه من نفسه وأبعده، وترفع عن مجالسته ومواكلته، ورأى أنّ حقه أن يقوم ماثلاً بين يديه إن اشتد كبره. فإنّ كان كبره أشد من ذلك، استنكف عن توظيفه، ولم يجعله أهلاً للقيام بين يديه، فإنّ كان دون ذلك، يأنف عن مواساته ويتقدم عليه في مضايق الطرق، وارتفع عليه في المحافل وانتظر أن يبدأه بالسلام، وإن حاج أو ناظراستنكف أن يرد عليه، وإن وعظ أنف من القبول، وإن وعظ عنف في النصح وإن رد عليه شيء من قوله غضب. وإن علم لم يرفق بالمتعلمين واستذلهم وانتهرهم وامتن عليهم واستخدمهم وينظر إلى العامة كما ينظر إلى الحمير استجهالا لهم، واستحقاراً. والأعمال الصادرة من الكبر أكثر من أن تحصى، فهذا هو الكبر وآفته عظيمة، وفيه يهلك الخواص والعوام وإنّما صار حجاباً عن الجنة لأنّه يحول بين المرء وبين أخلاق المؤمنين كلها، وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة، والكبر وعزّ النفس تغلق تلك الأبواب كلها لأنّه مع تلك الحال لا يقدر على حبه للمؤمنين ما يحب لنفسه، ولا على التواضع وهو راس أخلاق المتقين، ولا على كظم الغيظ، ولا على ترك الحقد ولا على الصدق ولا على ترك الحسد والغضب، ولا على النصح اللطيف، ولا على قبوله ولا يسلم من الازراء بالناس واغتيابهم، فما من خلق ذميم إلاّ وصاحب الكبر والعز مضطر إليه ليحفظ به عزه، وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه، خوفا من أن يفوته عزه، فعن هذا لم يدخل الجنة([٨٧٥]).
[٨٧٥] الغزالي: احياء علوم الدين, ج٣, ص٣٣٥.