تيجان الولاء في شرح بعض فقرات زيارة عاشوراء - البلداوي، وسام - الصفحة ٦٥ - المبحث الرابع لماذا استعمل أمير المؤمنين زياداً وهو يعلم أصله وعاقبته
وفي وسط هذه الظروف الصعبة كان الإمام أمير المؤمنين بأشد الحاجة إلى رجال مخلصين يشد بهم أزره ويرمي بهم عدوه ويستعين بهم على قيادة جيشه يملكون شعبية في أوساط الجماهير ليثيروا في نفوسهم الهمم ويستنهضوهم في أوقات الحاجة والشدة، فاستدعى من كان من أصحابه وثقاته على ولايات المملكة الإسلامية ليستعين بهم على نصرته، ثم يرسل مكانه من يدير أمر تلك المملكة مع المحافظة على نظام الرقابة الشديدة والصارمة على هؤلاء البدلاء.
وكشاهد على هذه الحقيقة نستعرض للقارئ الكريم ما نقل من استدعائه لعمر بن أبي سلمة المخزومي، وكان عامله على البحرين، فعزله واستعمل النعمان بن عجلان الزرقي مكانه: (أما بعد، فإنى قد وليت النعمان بن عجلان الزرقي على البحرين، ونزعت يدك بلا ذم لك، ولا تثريب عليك، فلقد أحسنت الولاية، وأديت الأمانة فأقبل غير ظنين ولا ملوم ولا متهم ولا مأثوم، فقد أردت المسير إلى ظلمة أهل الشام، وأحببت أن تشهد معي، فإنك ممن أستظهر به على جهاد العدو وإقامة عمود الدين، إن شاء الله)[١٤٠].
فكانت ولاية زياد من هذا الباب، فمن جهة أرسل الإمام صلوات الله وسلامه عليه زيادا إلى فارس ولم يرسل إليها أحد أصحابه الذين يستعين بهم في حربه الداخلية، وبذلك وفر قائدا من قادة جيشه فهو مكسب عسكري، ومن جهة ثانية استطاع زياد إخماد الثورة التي كانت في بلاد فارس وكرمان وهو مكسب عسكري ثان، ومن جهة ثالثة كان أمير المؤمنين شديد الحيطة والحذر والمتابعة لكل فعل من أفعال زياد فقد وضع عليه العيون ليخبروه عن كل صغيرة وكبيرة وكل خطوة يخطوها، فإذا ما رأى منه تقصيراً أو خيانة صغيرة أو كبيرة نبهه وحذره وربما هدده، كما في كتابه الذي كتبه
[١٤٠] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ١٦ ص ١٧٣