قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٩٢ - ذكر أحكام المحبة و وصف أهلها و هو المقام التاسع من مقامات اليقين
بقلبي كلّه، و أنت معرض عني بوجهك كله. فقال له المحبوب: إن كنت تحبني فأي شيء تنفق عليّ فقال: يا سيدي، أملّكك ما أملك، ثم أنفق عليك روحي حتى تهلك. فقلت: هذا خلق لخلق و عبد لعبد، فكيف بخلق لخالق و عبد لمعبود، فكان ذلك سببه فقد دخلت الأموال في الأنفس تحت الشراء، و قد باعوه نفوسهم فما دونها لمحبتهم إياه، و قد اشتراها منهم لنفاستها عنده. و فعلامة محبته لها اشتراؤها منهم، و علامة شرائها طيّها عنهم، فإذا طواها فلم يكن عليهم منها بقية هوى في سواه، فقد اشتراها، و اعلم أنّ آفات النفوس هي أدواؤها، و طهرة النفوس من الأدواء هو داؤها. كما قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها [الشمس: ٩]. فإذا صفاها من الآفات فقد صافاها، و إذا امتحنها بالتمحيص من الشهوات للتقوى فقد اشتراها. و لكل داء من النفس دواء على قدر صغره و عظمه، فضع الدواء على الداء من حيث دخل عليك، بإدخال ضده عليه و بقطع أصله عنه. فعلامة النفوس المشتراة و هي المحبوبة المجتباة، التوبة إلى الحبيب بالخدمة له و كثرة الحمد له بالسياحة إليه و دوام الصلاة، بحسن الأدب بين يديه و الأمر بما يحب و النهي عمّا يكره و الحفظ بحدوده التي حدّها و ترتيب العلم على مدارج العقل، بإخفاء علم التوحيد و أسرار قيومية القدرة من المحافظة، لأنّ العقل حدّ. و ذلك من كتمان علم المحبة، فهو عند المحبين كحفظ حدوده على الجوارح التي شرعها بألسنة الرسل، و من يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه. و من لم يتب فأولئك هم الظالمون، إن الله يحبّ التوّابين و يحبّ المتطهرين، و الله يحب المتّقين. و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: من أراد أن يحبه الله فليزهد في الدنيا، فلا يطمعن طامع في محبة الله قبل الزهد في الدنيا، فهذه جمل أوصاف المحبين. و من المحبة أن لا يطلب خدمة سواه و أن يجتمع في محبته همه و هواه، و لا يهوي إلا ما فيه رضا المولى، و لا يقضي عليه مولاه إلا بما يهواه. و روي عن بعض العلماء إذا رأيته يوحشك من خلقه، فاعلم أنّه يريد أن يؤنسك به و في أخبار داود عليه السلام أنّ الله تعالى أوحى إليه: إنّ أودّ الأودّاء إليّ من عبدني لغير نوال، لكن ليعطي الربوبية حقها، و فيما نقل وهب من الزبور. و من أظلم ممن عبدني لجنة أو نار لو لم أخلق جنة و لا نارا لم أكن أهلا أن أطاع، أو كما قال. و في أخبار عيسى: إذا رأيت التقيّ مشغوفا في طلب الربّ فقد ألهاه ذلك عمّا سواه. و عن عيسى عليه السلام: المحب للَّه يحب النصب. و روي عنه أنّه مرّ على طائفة من العباد قد احترقوا من العبادة كأنهم الشنان البالية فقال: ما أنتم؟ فقالوا: نحن عبّاد قال: لأي شيء تعبدتم؟ قالوا: خوّفنا الله من النار فخفنا منها فقال: و حق على الله أن يؤمنكم ما خفتم. ثم جاوزهم فمرّ بآخرين