قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٩٥ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
فأما قولها: حبّ الهوى و قولها حب أنت أهل له، و تفريقها بين الحبين فإنّه يحتاج إلى تفصيل حتى يقف عليه من لا يعرفه، و يخبره من لم يشهده. و في تسميته و نعت وصفه إنكار من ذوي العقول، ممن لا ذوق له و لا قدم فيه، و لكنّا نحمل ذلك و ندلّ عليه من عرفه يعني حب الهوى، إني رأيتك فأحببتك عن مشاهدة عين اليقين، لا عن خبر و سمع تصديق من طريق النعم و الإحسان، فتختلف محبتي إذا تغيرت الأفعال لاختلاف ذلك عليّ، و لكن محبتي من طريق العيان، فقربت منك و هربت إليك و اشتغلت بك و انقطعت عمّن سواك، و قد كانت لي قبل ذلك أ هواء متفرقة فلما رأيتك اجتمعت كلّها فصرت أنت كلية القلب و جملة المحبة فأنسيتني ما سواك ثم إني مع ذلك لا أستحق على هذا الحب، و لا أستأهل أن أنظر إليك في الآخرة على الكشف و العيان في محل الرضوان، لأن حبي لك لا يوجب عليك جزاء عليه بل يوجب على كل شيء لك مني كل شيء مما لا أطيقه و لا أقوم بحقك فيه أبدا، إذ كنت قد أحببتك فلزمني خوف التقصير، و وجب علّي الحياء من قلة الوفاء، فتفضلت علّي بفضل كرمك، و ما أنت له أهل من تفضلك، فأريتني وجهك عندك آخرا كما أريتنيه اليوم عندي أولا، فلك الحمد على ما تفضلت به ذا عندي في الدنيا و لك الحمد على ما تفضلت به في ذاك عندك في الآخرة، و لا حمد لي في ذا هاهنا و لا حمد لي في ذاك هناك، إذ كنت وصلت إليهما بك فأنت المحمود فيهما لأنك وصلتني بهما، فهذا الذي فسّرناه هو وجد المحبين المحقين ظنّا بقولها ذلك، إذا كان لها في المحبة قدم صدق، و الله أعلم و لا يسعنا أن نشرح في كتاب كشف حقيقة ما أجملناه و لا أن نفصل وصف ما ذكرناه و من لم يكن من المحبين كذلك حتى يدلّ بمحبته و يقتضي الجزاء عليها من محبوبه و يوجب على حبيبه شيئا لأجل محبته، فهو مخدوع بالمحبة و محجوب بالنظر إليها، و إنما ذاك مقام الرجاء الذي ضده الخوف، و ليس من المحبة في شيء و لا تصح المحبة إلّا بخوف المقت في المحبة. و قال بعض العارفين: ما عرفه من ظن أنه عرفه، و لا أحبّه من توهّم أنّه أحبه. ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف و للمحب سبع مخاوف ليست بشيء من أهل المقامات، بعضها أشدّ من بعض: أولها خوف الإعراض، و أشد منه خوف الحجاب، و أعظم من هذا خوف البعد، و هذا المعنى في سورة هود هو الذي شيّب الحبيب إذ سمع المحبوب يقول: ألا بعدا لثمود ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود فذكر البعد في البعد، يشيب أهل القرب في القرب. ثم خوف السلب للمريد و الإيقاف مع التحديد، و هذا يكون للخصوص في الإظهار و الاختيار