قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٧٥ - ذكر أحكام مقام الرضا
ثم يرد ذلك إلى تفصيل العلم و ترتيب الأحكام، فما كان من خير و برّ أمر به أو ندب إليه، رضي به العبد و أحبه شرعا و فعلا و وجب عليه الشكر، و ما كان من شرّ نهى عنه و تهدد عليه. فعلى العبد أن يرضى به عدلا و قدرا و يسلمه لمولاه حكمة و حكما، و عليه أن يصبر عنه و يقر به ذنبا و يعترف به لنفسه ظلما، و يرضى بعود الأحكام عليه بالعقاب. و أنه اجترحه بجوارحه اكتسابا و رضا بأنّ الله الحجة البالغة عليه، و أن لا عذر له فيه، و يرضى بأنّه في مشيئة الله عزّ و جلّ من عفو عنه برحمته و كرمه إن شاء، أو عقوبة له بعدله و حقّه إن شاء. و فصل الخطاب أنه يرضى بسوء القضاء عقد إلا من نفسه فعلا، و يرضى به عن الله و لا يرضى به من نفسه لأنّ الموقنين و المحبين لا يسقطون الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و لا ينكرون إنكار المعاصي و كراهتها بالألسنة و القلوب من قبل أنّ الإيمان فرضها، و الشرع و رد بها و لأنّ الحبيب كرهها. فكانوا معه فيما كره كما كانوا معه فيما أحبّ. و مقام اليقين لا يسقط فرائض الإيمان، و مشاهدة التوحيد لا تبطل شرائع الرسول و لا تسقط أتباعه، فمن زعم ذلك فقد افترى على الله و رسوله، و كذب على الموقنين و المحبين. أ لم تر أنّ الله تعالى ذم قوما رضوا بالدنيا و رضوا بالمعاصي و رضوا بالتخلف عن السوابق. فقال سبحانه: رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ اطْمَأَنُّوا بِها [يونس: ٧]، فذمهم بذلك و قال تعالى: وَ لِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ لِيَرْضَوْهُ وَ لِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ [الأنعام: ١١٣]، فعابهم به و قال تعالى: رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ [التوبة: ٨٧]، يعني النساء. و هذا جمع التأنيث و طبع على قلوبهم، فهم لا يفقهون، فمن رضي بالمعاصي و المناكير منه أو من غيره، و أحب لأجلها و والى و نصر عليها أو ادّعى أنّ ذلك في مقام الرضا الذي يجازى عليه بالرضا أو أنه حال الراضين الذين وصفهم الله تعالى و مدحهم، فهو مع هؤلاء الذين ذم الله و مقت. و في الخبر الدال على الشرّ كفاعله، و عن ابن مسعود أنّ العبد ليغيب عن المنكر و يكون عليه مثل وزر فاعله. قيل: و كيف ذلك؟ قال: يبلغه فيرضى به. و قد جاء في الحديث لو أنّ عبدا قتل بالمشرق و رضي بقتله آخر بالمغرب، كان شريكه في قتله. و قد روينا حديثا حسنا عن النبي صلى الله عليه و سلم من طريق مرسل: من نظر إلي من فوقه في الدين و إلى من دونه في الدنيا كتبه الله صابرا شاكرا. و من نظر إلى من دونه في الدين و من فوقه في الدنيا لم يكتبه الله صابرا و لا شاكرا. و قد غلط في باب الرضا بعض البطالين من المتأخرين، ممن لا علم له و لا يقين، فحمل الرضا على جميع ما يكون منه من معصية و هو لجهله بالتفضيل و قلة فهمه بعلم التأويل، و لاتباعه ما تشابه من التنزيل طلبا للفتنة