قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٦٩ - ذكر أحكام مقام الرضا
الأشياء التي أبيحت و عيبها من سوء الخلق مع الله. و كانت من سوء الأدب بين يدي الله، و أعظم من ذلك أنها تدخل في باب قلة الحياء من الله، و يصلح أن يكون هذا أحد معاني الخبر الذي جاء: قلّة الحياء كفر، يعني كفر النعمة بأن يذم و يعيب بعض ما أنعم الله به عليه من الإرفاق و الإلطاف، إذ كان فيها تقصير عن تمام ملها أو كانت مخالفة لهواه منها، فيكون ذلك كفرا للنعمة و قلّة حياء العبد من المنعم، إذ قد أمره بالشكر على ذلك، فبدل الشكر كفرا لأنّ أحدا لو اصطنع لك طعاما فعبته و ذممته كره ذلك منك. فكذلك تعالى يكره ذلك منك، و هذا دخل في معرفة معاني الصفات، و في معنى ما قيل أعرفكم بربّه أعرفكم بنفسه، لأنّك إذا عرفت صفات نفسك في معاملة الخلق عرفت منها صفات خالقك. و بعض الراضين يجعل ذم الأشياء و عيبها بمنزلة الغيبة لصانعها لأنها صنعته و نتاج حكمته، و نفاد علمه و حكم تدبيره و تدبير مقاديره، لأنه أحكم الحاكمين و خير الرازقين و أحسن الخالقين، له في كل شيء حكمة بالغة و في كل صنعة صنع متقن، و لأنّك إذا عبت صنعة أحد و ذممتها سرى ذلك إلى الصانع، لأنّه كذلك صنعها و عن حكمته أظهرها، إذ كانت الصنعة مجبولة لم تصنع نفسها و لا صنع لها في خلقتها، و كان الورعون لا يعيبون صنعة عند كراهة الغيبة له و ذلك أنّ الراضي عن الله متأدب بين يدي الله يستحي أن يعارضه في داره أو يعترض عليه في حكمه. فصاحب الدار يصنع في حكمه ما شاء و الحاكم يحكم بأمره كيف شاء، و العبد راض بصنع سيده مسلم لحكمة حاكمه. و روي في الإسرائيليات أن عيسى عليه السلام مرّ مع نفر من أصحابه بجيفة كلب فغطوا آنافهم و قالوا: أف أف، ما أنتن ريحه فلم يخمر عيسى عليه السلام أنفه و قال: ما أشد بياض أسنانه، أراد أن ينهاهم بذلك عن الغيبة و يعلمهم ترك عيب الأشياء، كيف هو يرى بعين نفسه أنّ الصنعة من صانعها، فهو يقلبها و يصرفها على معاني نظره. و روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه ما عاب طعاما قط، إن اشتهاه أكله و إلا تركه. و قال أنس: خدمت رسول الله صلى الله عليه و سلم عشر سنين، ليس كل امرئ كما يريد صاحبي. ما قال لي لشيء فعلته: لما فعلته؟ و لا لشيء لم أفعله: ألا فعلته، و لا قال في شيء كان: ليته لم يكن و لا لشيء لم يكن: ليته كان. و كان يقول: لو قضى شيء لكان، و هذا وصف الراضي الموقن القائم بشهادته. فبالنظر في هذه الدقائق و الوقوف عندها رفع القوم عند الله إلى مقام المقربين، و بالتهاون بها و الغفلة عنها نغلت القلوب ففسدت حتى لم تصلح للمحبة و الرضا. و هذا المعاني من الاعتراضات. و التخير هو تقدم بين يدي الله و ذاك التدبير الذي يشير إليه سهل و يقول: إنّ تدبير الخلق حجبهم عن الله عزّ و جلّ. و حكي لنا أنّ بعضهم صحب بعض العارفين في