قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٦٨ - ذكر أحكام مقام الرضا
طريق و مثله في الشدة يقول الله تعالى: قدّرت المقادير و دبّرت التدبير و أحكمت الصنع، فمن رضي فله الرضا مني حين يلقاني و من سخط فله السخط مني حين يلقاني، و في الخبر: أوّل ما كتب لموسى عليه السلام: إِنَّنِي أَنَا الله لا إِلهَ إِلَّا أَنَا [طه: ١٤]، من رضي بحكمي و استسلم لقضائي و صبر على بلائي كتبته صديقا و حشرته مع الصدّيقين يوم القيامة. و روينا في الخبر المشهور بمعناه يقول الله جل جلاله: قدرت الخير و الشرّ و أجريتهما على أيدي عبادي، فطوبى لمن خلقته للخير و أجريت الخير على يديه و ويل لمن خلقته للشرّ و أجريت الشرّ على يديه، و ويل ثم ويل لمن قال: لم و كيف؟ و في الأخبار السالفة أن نبيّا من الأنبياء شكا إلى الله الجوع و الفقر عشر سنين، كل ذلك لا ينظر في مسألته فأوحى الله إليه: لم تشكو؟ هكذا كان بدوّك عندي في أم الكتاب قبل أن أخلق السموات و الأرض، و هكذا سبق لك مني و هكذا قضيت عليك قبل أن أخلق الدنيا، أ فتريد أن أعيد خلق الدنيا من أجلك أم تريد أن أبدل ما قدرت عليك، فيكون ما تحبّ فوق ما أحب و يكون ما تريد فوق ما أريد، و عزّتي و جلالي لن تخالج في صدرك مرة أخرى لأمحونّك من ديوان النبوّة. و روينا أنّ آدم عليه السلام كان بعض أولاده الصغار يصعدون على جسمه و ينزلون، يجعل أحدهم رجله على أضلاعه كهيئة الدرج فيصعد إلى رأسه ثم ينزل على أضلاعه. كذلك قال و هو مطرق إلى الأرض و لا ينطق و لا يرفع رأسه فقال له بعض ولده يا أبت، أ لا ترى ما يصنع هذا بك لو نهيته عن هذا فقال: يا بني، إني رأيت ما لم تروا، و علمت ما لم تعلموا، إني تحركت حركة واحدة فأهبطت من دار الكرامة إلى دار الهوان، و من دار النعيم إلى دار الشقاء، فأخاف أن أتحرك حركة أخرى فيصيبني ما لا أعلم. روينا في بعض الأخبار أنّه قال: إنّ الله ضمن لي إن حفظت لساني أن يردّني إلى الدار التي أخرجني منها، و قال أبو محمد سهل: حظّ الخلق من اليقين على قدر حظّهم من الرضا، و حظّهم من الرضا على قدر عيشهم مع الله. و روى عطية عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنّ الله بحكمه و جلاله جعل الروح و الفرح في الرضا و اليقين، و جعل الغمّ و الحزن في الشك و السخط. و من الرضا أن لا تذمّ شيئا مباحا و لا تعيبه إذا كان بقضاء مولاه، شاهدا للصانع في جميع الصنعة ناظرا إلى إتقان الصنع و الحكمة و إن لم يخرج ذلك عن معتاد المعقول و العادة، و بعض العارفين يجعل هذه الأشياء في باب الحياء من الله عزّ و جلّ. و منهم من يقول: هي من حسن الخلق مع الله تعالى. و منهم من جعله من باب الأدب بين يدي الله. فإذا كان هذا كذلك كان ذم