قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٦٢ - ذكر بيان آخر في التوكّل
و لا يقدح في التوكل تشرّف المتوكل إلى رزقه لأنه خلق ضعيفا ذا فاقة، و رزقه معلوم لا بدّ منه، و المعلوم مقسوم فتشرّفه إلى القسم تشرّف منه إلى القاسم، و من تشرّف إلى مولاه شرّفه و تولاه. و لكن إن تشرّف إلى الزيادة، و خرج من القناعة، و طلب العادة، و أراد الشيء قبل وقته، أو كره تأخره عنه إلى وقت مقدوره، فإنّ هذا يقدح في توكله و ينقص من زهده، و لو كان الشرف إلى الرزق منها و التطلع إلى الرزق مجملا ينقص التوكل لعلمنا من باع و اشترى و جهلنا من تعالج من علله بالدواء، لأن في ذلك تشرّفا إلى الرزق و تطلعا إلى البرء. فجاء من ذلك تضعيف التابعين و طعن على المتداوين من الصحابة و السلف الصالح، و أخرجهم ذلك من التوكل و الزهد، فلهم منها مقامات. و لا يخرجه من التوكل مطالعته للعوض على معاملته من جزاء الآخرة، لأنّه قد شوّق إلى ذلك و ندب إليه. و لكن لا يدخله ذلك في حقيقة الإخلاص و لا يرفعه إلى علو درجة الصدّيقين من المتوكلين. و قد يكون مزيدا على قدر حاله، إلّا أنه لا يدخله في إخلاص المحبين، و لا يرفعه في درجات المقربين، و لا يصح التوكل إلّا بزهده في الدنيا. و أول الزهد ترك الرغبة في الحرام، و أول أحوال المتوكل في القوت ثم الصبر على حكم الحيّ الذي لا يموت. و أعلى التوكل التوكل عليه في الاستسلام للأحكام و الرضا عنه في المسابقة بين الأقدام، و هو إطراح النفس و نسيانها شغلا منه عنها بنفسها و حبّا له. و حقيقة التوكل بعد مشاهدة يد الوكيل، فإذا ظهرت يده غابت الأيدي فيها، فعندها توكلت عليه بتدلل فقبل توكلك، و استسلمت إليه فسلمك. فإنه يتجلّى لك بوصف يلزمك حكما، يضطرك الحكم إلى الحاكم و يوقفك الوصف على الوكيل، كما يضطرك الحاكم إلى الحكم و يجري لك و عليك ما شاء من القسم. فأعلى توكلك عليه حياء منه، و إشهاده إياك توكله لك بحسن التدبير. لم يكلك إلى سواه و لم يولك إلا إياه: فإمّا أن يقتضيك تصبرا له، و إما أن يقتضيك تفويضا إليه، و أما أن يقتضيك رضا عنه أو تسليما له أو استراحة من تدبيرك لنفسك، أو يسقط عنك اهتمامك بتقديرك و أمانيك. و من يتوكل على الله فهو حسبه، و الحسب أي الحسب يجعله ما شاء كيف شاء. فقد قيل: حسبه أي التوكل. و قد قيل: التوكل حسبه من سائر المقامات. و قيل: الله حسبه أي يكفيه ممن سواه. قال تعالى معرفا للكافة مسليا للجماعة: إِنَّ الله بالِغُ أَمْرِهِ [الطلاق: ٣]، أي منفذ حكمه فيمن توكل عليه و فيمن لم يتوكل عليه، إلّا أنّ من توكل عليه يكون الله حسبه أي يكفيه أيضا مهم الآخرة و الدنيا، و لا يزيد من لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسمه. كما لا ينقص من توكل عليه ذرة من رزقه، لكن يزيد من توكل عليه هدى إلى هداه و يرفعه مقاما في اليقين على تقواه، و يعزه