قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٨ - ذكر فضل التارك للتكسب
رزق الآخرة الذي وكل به: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم: ٣٩]، ثم قد علم المتوكل بعد توحيده أنّ هذه الأربعة الأشياء منتظمة في سلك واحد، كشيء واحد يقع وقعة واحدة رزق مقسوم لا يزاد فيه في وقت معلوم و لا يتقدم و لا يتأخر بسبب محكوم، لا ينقلب عند أثر مكتوب و لا يتغير، فالرزق بفضل الرازق و الوقت الذي يظهر فضل العطاء لا يقع إلّا في ظرف، و السبب حكمة القاسم و الأثر حدّ المرزوق، فلما أيقن المتوكل بهذا كان إن تصرف بحكم، و إن قعد قعد بعلم، فاستوى تصرفه و قعوده لأنه قائم بحكم ما يقتضي منه في علم حاله عالم بحكم مصرفه و مقعده، فإن شغله مولاه بخدمته عن خدمة من سواه، فصرفه في معاملته دون معاملة العبيد ساق إليه رزقه كيف شاء من الوجوه و بيد من شاء من العبيد، يحفظه له عن مجاوزة الحدود، كما قال تعالى: حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ الله [النساء: ٣٤]، و بتوليه له و عصمته إياه عن التورط في محظور. كما أخبر عن أوليائه في قوله عزّ و جلّ: وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [الأعراف: ١٩٦]، و كان العبد فاضلا في قعوده لشغله عن العبيد بمعبوده، بانقطاعه إلى معاملة الملك دون ما يقطعه من معاملة الملوك، و بهمة الآخرة عن الدنيا. و كان داخلا في وصف ما أخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أهل كفاية الله، فيما روي عنه من جعل الهموم همّا واحدا، كفاه الله آخرته. و خارجا عن وصف من قطعه عن الله بهمة غيره و عرضه للهلكة في أودية الهموم. في قوله عليه السلام: من أصبح و همه غير الله فليس من الله. و في قوله: و من تشعبت به الهموم لم يبال الله في أي أوديتها هلك، فإن كان حال المتوكل أن يجري رزقه على يد نفسه و كسب جارحته فهو خزانة من خزائن الملك و هو عبد من عبيد الملك، يوصل إليه عن يد نفسه بما يوصله إليه عن يد غيره و سواه، ساق إليه الرزق أو ساقه إلى الرزق بعد أن يرزقه. لأن ما لقيته فقد لقيك، و العبد متوكل على الله في الحالين، ناظر إليه بالمعنيين، قائم بحكم حاله في الأمرين، عارف بحسن اختيار الله له في الحكمين، و من ترك التكسب لأجل الله ثقة به و سكونا إليه أو لدخول الآثام و تعذر القيام بالأحكام، فحسنه كحسن من عمل شيئا لأجل الله لأن الترك عمل يحتاج إلى نية صالحة و أفضل الناس عند الله أتقاهم له و أتقاهم له أعرفهم به متصرفا كان أو قاعدا، هذا هو فصل الخطاب. و روينا في حديث عبد الله بن دينار عن عمرو بن ميمون عن النبي صلى الله عليه و سلم: أ تدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله و رسوله أعلم، قال: حين استوى على عرشه و نظر إلى خلقه: عبادي، أنتم خلقي و أنا ربكم أرزاقكم بيدي فلا تتعبوا أنفسكم فيما تكفلت لكم به، و اطلبوا أرزاقكم مني و انصبوا أنفسكم لي، و ارفعوا حوائجكم إلي أصبّ عليكم أرزاقكم، أ تدرون