قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٣٨ - الفصل السابع و الأربعون فيه ذكر حكم المتسبب للمعاش و ما يجب على التاجر من شروط العلم
و روي عن النبي صلى الله عليه و سلم عن قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢]. من هؤلاء؟ فقال: من برت يمينه و صدق لسانه و استقام قلبه و عفّ فرجه و بطنه، ثم لينو المتصرف في معاشه كفّ نفسه عن المسألة و الاستغناء عن الناس و قطع الطمع فيهم، و التشرف إليهم، فذلك عبادة إذا نوى نزعه، ثم ليحتسب السعي على نفسه و أطعمة عياله فهو له صدقة و عليه الصدق في القول و النصح في معاملة إخوانه المسلمين لأجل الدين، و يعتقد سلامة الناس منه نصحا لهم و رحمة بهم و يعمل في ذلك و يكون أبدا مقدما للدين و التقوى في كل شيء، فإن انتظمت دنياه بعد ذلك حمد الله و كان ذلك ربحا و رجحانا، و إن تكدرت لذلك دنياه و تعذّرت لأجل الدين و التقوى أحواله في أمور الدنيا كان قد أحرز دينه و ربحه، و حفظ رأس ماله من تقواه، و سلم له، فهو المعول عليه و الحاصل له، إلّا أنّ من ربح من الدنيا مثل المال و خسر عشر الدين فما ربحت تجارته و لا هدى سبيله و هو عند الله من الخاسرين. و قال بعض السلف: أولى الأشياء بالعاقل أحوجه إليه في العاجل، و أحوج شيء إليه في العاجل أحمده عاقبة في الآجل. و كذلك قال معاذ بن جبل: رضي الله عنه في وصيته أنه لا بدّ لك من نصيبك من الدنيا و أنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه فإنه سيمرّ على نصيبك من الدنيا فينظمه لك انتظاما و يزول معك حيثما زلت. قد قال الله تعالى: وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ من الدُّنْيا [القص ٧٧]. لا تترك نصيبك في الدنيا من الدنيا للآخرة، لأنك من هاهنا تكتسب الحسنات فتكون هناك في مقام المحسنين. ففي الخطاب مضمر لدليل الكلام عليه في قوله تعالى: وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ في الْأَرْضِ [القص ٧٧]. و قد قال بعض العلماء: من دخل السوق ليشتري و يبيع فكان درهمه أحبّ إليه من درهم أخيه لم ينصح المسلمين في المعاملة. و قال عالم آخر: من باع أخاه شيئا بدرهم و هو يصلح له بخمسة دوانيق فإنه لم يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه حتى لا يبيع أخاه شيئا بدرهم إلّا و هو يصلح له اشتراؤه به، فينبغي لهذا المتصرف أن يستوي في قلبه درهمه و درهم أخيه و رحله و رحل أخيه، ليعدل فيما يبيعه أو يشتري منه سواء بسواء، و يكون مراعيا لموافقة حكم الله تعالى الذي ورد به الشرع في الشراء و البيع، مراعيا للسبب الذي يصل به الدرهم أن يكون السبب معروفا في العلم، مباحا في الحكم، فيكون متورّعا في عين الدرهم المعتاض، لا يكون من خيانة أو سرقة أو فساد أو غصب أو غيلة أو حيلة، فهذه وجوه الحرام التي تحرم بها المكاسب