قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٦٨ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
منهم ما يقتضون منه فقد أتعبهم، و من لم يقتضهم فقد تفضل عليهم. و بمعناه روينا عن بعض الحكماء: من جعل نفسه فوق قدره عند الإخوان أثم و أثموا، و من جعل نفسه في قدره تعب و أتعبهم، و من جعلها دون قدره سلم و سلموا، فلذلك عزز الناس الأخوة في الله عزّ و جلّ قديما، لأن هذا حقيقتها. فروى في الأخبار، اثنان عزيزان و لا يزدادان، إلّا عزة درهم من حلال و أخ تسكن إليه. و قيل تأنس به. و قال يحيى بن معاذ رحمه الله: ثلاثة عزيزة في وقتنا هذا، ذكر منها حسن الإخاء مع الوفاء، يعني بالوفاء أن يكون له في غيبته، و من حيث لا يعلم و لا يبلغه، مثل ما كان له في شهوده و معاشرته، و يكون له بعد موته و لأهلّه من بعده كما كان له في حياته، فهذا هو الوفاء، و هو الذي شرطه النبي صلى الله عليه و سلم للمؤاخاة في قوله: اجتمعا على ذلك أو تفرّقا، و جعل جزاءه إظلال العرش يوم القيامة. و كذلك قال بعض الأدباء: قليل الوفاء بعد الوفاة خير من كثيره في حال الحياة. و كذلك كان السلف فيما ذكره الحسن و غيره، قالوا: كان أحدهم يخلف أخاه في عياله بعد موته أربعين سنة، لا يفقدون إلّا وجهه. و يقال إنّ مسروقا أدان دينا ثقيلا، و كان على أخيه خيثمة دين، قال: فذهب مسروق فقضى دين خيثمة و هو لا يعلم، و ذهب خيثمة فقضى دين مسروق سرّا و هو لا يعلم، فمن حقيقة المؤاخاة في الله عزّ و جلّ إخلاص المودة له بالغيب، و الشهادة و استواء القلب مع اللسان، و اعتدال السرّ مع العلانية في الجماعة و الخلوة، فإذا لم يختلف ذلك فهو إخلاص الأخوة، و إن اختلف ذلك ففيه مداهنة في الأخوة، و ممازقة في المودة، و ذلك دخل في الدين، و وليجة في طريق المؤمنين، و لا يكون ذلك مع حقيقة الإيمان. و قد سأل أبو رزين العقيلي النبي صلى الله عليه و سلم، فشرط له أشياء منها: أن يحب غير ذي نسب لا يحبه إلّا للَّه عزّ و جلّ، و من شرط المحبة في الله تعالى أن لا يكون لرحم يصلها أو لنعمة يربها، كما جاء في الأثر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، أنّ رجلا زار أخا في الله تعالى في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكا، فقال: أين تريد، قال: أردت أخا لي في هذه القرية، قال: هل بينك و بينه رحم تصلها أو له عليك نعمة تربها، قال: لا، إلّا أني أحببته في الله تعالى، قال: فإني رسول الله إليك، إنّ الله تبارك و تعالى قد أحبك كما أحببته فيه. و قد روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، و عن ابنه عبد الله رضي الله عنهما: لو أن رجلا صام النهار لا يفطر، و قام الليل و جاهد، و لم يحب في الله عزّ و جلّ و يبغض في الله ما نفعه ذلك شيئا. و قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال لأصحابه: أي عرى الإيمان أوثق؟ قال: الصلاة، قال: حسنة و ليس به، قالوا: الحج و الجهاد، قال حسنة و ليس به،