قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٩٢ - ذكر رياضة المريدين في المأكول و فضل الجوع و طريقة السلف في التقلّل و الأكل
إذا استغنيت عن الخبز بغيره من الطعم كان خيرا لك، يريد أن أتوقف نفسك مع عادة فتنازعك إليها. و قد ذكرت هذه الحكاية لأبي بكر بن الجلاء فأعجبته. و قال: هذا كلام الحكماء. و كان هذا يلائم حاله. و إن خشي المريد أن يكون شيء من المآكل و الطيبات له عادة و لم يأمن تألّه قلبه و توقان نفسه إليه و منازعتها إياه، و كان العبد مبتدئا غرّا لا يعرف خبء النفس و دواهيها و لا يفطن لمكرها و آفاتها، فإن ترك ذلك أفضل. فليتركه حينئذ لأجل الله خوفا أن يشتهيه فيحرص على مثله، و يدخل مداخل السوء من أجله، و يبيع دينه فيه أو خشية تمكّن العادة فيه، فتعذر عليه التوبة لدخوله في الشبهات عند اعتياد الشهوات لأنّ العادة جند الله تغلب العقل. و الابتلاء سلطان من سلطان الله تعالى يقهر العلم، لأجله تعذرت الاستقامة، و لو لا العداوة لكان الناس تائبين، و لو لا الابتلاء لكان التائبون مستقيمين، فليترك حينئذ أكل الطيّبات إذا صارت شهوات، و خشي منها مطالبة العادات، و دعاوي النفس بالآفات، ناويا بذلك ما ذكرناه لصلاح قلبه، و تسكين نفسه، ليملك بذلك نفسه قبل أن تملكه، و يفطم عادتها قبل أن تهلكه، و يغلب بالترك طبعه و هواه قبل أن يكونا بالشهوة يغلبانه. كما قال بعض الحكماء: إن لأقضي عامة حوائجي بالترك فيكون أروح لنفسي. و كما قال آخر: إذا أردت أن أستقرض من غيري لشهوة استقرضت من نفسي فتركت الشهوة فهي خير غريم لي، فيصير الترك حينئذ و المنع للنفس غذاء و عادة، كما كان الأخذ و الأكل عادة، ففي هذا عون له على صلاح قلبه و دوام حاله، و كان إبراهيم بن أدهم يسأل أصحابه عن الشيء من المأكول فيقال: إنه غال. فيقول له: أرخصوه بتركه. و قال بعض الأدباء في معناه: و إذا غلا شيء على تركه فيكون أرخص ما يكون إذا غلا و هو حينئذ تارك للشهوات لأجل الله تعالى و عامل من عمال الله، و قد كان هذا طريق طائفة من السلف إلى الله تعالى، ثم انقرضوا فانمحى طريقهم و خلف بعدهم خلف من العلماء ابتغوا الشهوات، و لم يقاموا في هذه المقامات و لا سلك بهم هذه الطرقات، فلم يتكلموا في ترك الشهوات، فلذلك درس هذا الطريق و عفا أثره لفقد سالكه و عدم كاشفه. فمن عمل به و سلكه فقد أظهره، و من أظهر فقد أحيا أهله. حدثني بعض علمائنا عن بعض المريدين من أهل البصرة قال: نازعتني نفسي خبز أرزة و سمكا فمنعتها فقويت مطالبتها فاشتدت مجاهدتي لها عشرين سنة. قال: فمات. فرأيته في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: لا أحسن. أصف إليك ما يلقاني به ربي من النعيم و الكرامة؟ و كان أول شيء استقبلني به خبز أرزه و سمكا. فقال: كل شهوتك اليوم هنيئا بغير حساب. و قد قال