قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٧٩ - الفصل التاسع و الثلاثون في ترتيب الأقوات بالنقصان منها أو بزيادة الأوقات
و سبع، و يكون طلب العبد عند هذا الجوع القوام من العيش و الضرورة من القوت و هو ما سدّ الجوعة و أعان على أداء الفريضة، و هذا حال الصديقين و قد سمعت بعض هذه الطائفة يقول: حدّ الجوع أن يبزق العبد، فإذا لم يقع على بزاقه ذباب فقد خلت معدته من الطعام يريد أنّ بزاقه قد خلا من الدسومة و الدهنية و صار صافيا مثل الماء فلا يسقط عليه الذباب مع نطق حاسته التي ركبت فيه و خفيّ إدراكه لما يقع عليه. فأما أكل العادات و التنقل في الشهوات و الأكل حتى يشبع، فهذا عند العلماء مكروه، و أهله عندهم بمنزلة البهائم و أما الأكل على شبع و الامتلاء حتى يتخم فهذا فسق عند العلماء و قد قاله لي بعض العارفين. و روينا أنه قيل لأبي بكر: إنّ ابنك أكل البارحة حتى بشم. فقال: لو مات ما صلّيت عليه. فأما الصوم فليس هو عندهم الجوع المقصود لإسكان النفس و إخماد الطبع لأن الصوم يصير عادة و يرجع الصائم إلى قوة طبعه إذا أفطر، فأما إذا كان يصوم و يفطر على الشهوة و يمتلئ من الأكل فإن صوم هذا لا يزيده إلّا قوة طبع و ظهور نفس، و تفتق عليه الشهوات، و يدخل عليه الفتور عن الطاعات، و يجلب عليه الكسل و السبات. و ربما قوي طبعه جملة واحدة فظهرت عليه نفسه بقوة مجملة إلّا إنه لا يجري في نهاره إلّا فيما أجريت عادته عليه و جعل حاله فيه من أبواب الدنيا و التنقل في الهوى، و إن كان ظاهر حاله أسباب الآخرة عنده لقصور علمه، فإن شهودها دنيا. فالتقلل و أخذ البلغة من القوت في الأوقات مع الإفطار أصلح لقلب هذا، و أدوم لعمله، و أبلغ في آخرته من مثل هذا الصوم، لأن هذا الذي وصفناه هو صوم أبناء الدنيا المترفين ليس بصوم أهل الآخرة الزاهدين و لكن بالتقلل و الطي و ترك الشهوات و اجتناب الشبهات تنكسر النفس و تذلّ، و يخمد الطبع، و تضعف الصفة عن العادة، و تقوي إرادة الآخرة، و يعمل المريد في سعيها و تخرج حلاوة الدنيا من القلب فيصير العبد مع التجوع و الطي و ترك النزهات كأنه زاهد. و روينا في حديث أسامة بن زيد و أبي يزيد الطويل اختصرته: إنّ أقرب الناس من الله عزّ و جلّ يوم القيامة من طال جوعه و عطشه و حزنه في الدنيا، الأحفياء الأتقياء الذين إن شهدوا لم يعرفوا و إن غابوا لم يفتقدوا، تعرفهم بقاع الأرض و تحفّ بهم ملائكة السماء، نعم الناس بالدنيا و نعموا بطاعة الله عزّ و جلّ، افترش الناس الفرش و افترشوا الجباة و الركب، ضيّع الناس فعل النبيّين و أخلاقهم و حفظوهم، تبكي الأرض إذا فقدتهم و يسخط الله تعالى على كل بلدة ليس فيها منهم، لم يتكالبوا على الدنيا تكالب الكلاب على الجيف، أكلوا الفلق و لبسوا الخرق، شعثا غبرا، يراهم الناس يظنون أنّ بهم داء. يقال: قد خولطوا و قد ذهبت عقولهم، و لكن نظر القوم بقلوبهم إلى أن ذهبت الدنيا عنهم، فهم عند أهل الدنيا